نبض المجتمع

نساء عرضة للعنف والتحرش في أماكن العمل ورجال يرفضون وجود المرأة بجانبهم

بالرغم من المستويات العلمية والثقافية والسياسية التي بلغتها المرأة الجزائرية والمكانة المرموقة والمناصب التي تبوأتها داخل المجتمع في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال عرضة للعديد من الاعتداءات والعنف الجسدي والتحرش الجنسي، حيث تعيش الكثير من النساء العاملات يوميا جملة من الممارسات المسيئة لهن على مستوى مقرات عملهن، ما يجعلهن مقيدات تحت ضغوط ذنبهن الوحيد فيها أنهن نساء، فإذا كان المفهوم السائد لدى الكثيرين الذي يصب في خانة الاعتداءات المنزلية فقط من طرف الزوج، إلا أن الحالات التي تسجلها المحاكم في السنوات الأخيرة تبين انتشار ظاهرة العنف على المرأة حتى في أماكن العمل والوسط المهني.
تعرضت عواطف، ذات العقد الرابع من العمر، وأستاذة التربية البدنية في الطور الثانوي، تنحدر من ولاية مستغانم وتعمل في إحدى ثانويات ولاية أدرار، إلى اعتداء جسدي وتحرش جنسي من طرف زميلها الأستاذ الذي يدرس في التخصص نفسه.
تقول عواطف، التي عرفتنا عليها جمعية المرأة في اتصال، ” لم أتعرف على الأستاذ إلا في بداية الفصل الثاني من الموسم الدراسي الفارط لأنها لم تلتحق بعملها في الفصل الأول، ولم يكن لدي أية اتصالات مع هذا الأستاذ، ولم تتم أية اتصالات أو أحاديث بيني وبين الأستاذ في الأيام الأولى من بداية الفصل الثاني، لأنني اعرف الحساسيات الموجودة لدى بعض الأساتذة المدرسين في الثانوية من النساء ولدي تجارب سابقة في هذا، ولاحظت التصرفات المشينة التي يقومون بها اتجاه الأستاذات وعاملات المؤسسة، وهي تصرفات تبين عدم تقبلهم حصول زميلات لي على مناصب عمل أو مسؤوليات داخل الثانوية “.
تواصل عواطف حديثها، وتقول” عندما اتصلت بالأستاذ واقتربت للحديث معه حول ضرورة وضع برنامج لاستعمال العتاد الرياضي، حيث كنت أود الاتفاق معه حول ضبط برنامج عمل يجنبنا حاجة العتاد في نفس الوقت، أي أنه يقوم باستعمال العتاد في الوقت الذي انتهي من حصتي مع التلاميذ، لأتفاجأ بردة فعل الأستاذ ” الذي قال لي ” أنا لا أعقد اتفاقيات مع النساء ولا أقبل أية تعليمات وتوجيهات من طرف المرأة سواءا كانت قديمة أو جديدة في المجال، أو أكثر مني خبرة خاصة في مجال الرياضة “، وبعد ذلك أصبح الأستاذ أكثر عدوانية في التعامل بل أصبح يرى نفسه مسؤول عن المخزن والعتاد الرياضي، وبالرغم من ذلك تجنبت الحديث أو الاحتكاك معه، وتوالت الأيام، وكانت لي الجرأة في إحدى المرات أن تقربت منه وطلبت أن نتفق على برنامج لاستعمال العتاد الرياضي، إلا انه أعاد كلامه السابق للمرة الثانية المتعلق بعدم إمكانية قبوله لأية اتفاقيات مع النساء أو قبول تعليمات ولا توجيهات من طرفهن، تناسيت الأمر وبعد مرور يومين من ذلك توجهت بداية الأسبوع إلى المخزن الخاص بقاعة الرياضة من أجل أخذ بعض الأدوات الرياضية غير أنني وجدت الأستاذ داخل المخزن فطلب مني مفتاح المخزن ولكنني رفضت منحه إياه بحجة أنه غير مخول لتسلم المفتاح ما عدا الإدارة الوصية، وبعد ذلك أغلق باب المخزن وقال لي إذا لديك الجرأة فاقتربي للدخول فاستغربت هذا التصرف ولم أتخيل نفسي في لحظة أنني في مؤسسة تربوية حكومية “.
” لم أعر الأمر أية اهتمام في البداية وتحاشيت الرد على هذا التصرف، لكن الأستاذ لم يهضم ذلك وقام بملاحقتي، حيث كنت أعلق الميقاتية في رقبتي ففاجأني من الخلف وامسكني من شعري فصرخت لأنني أحسست بألم كبير برقبتي خاصة وأنني كنت أضع قبعة وطلبت منه أن ينزع يده غير أنني وبعد أن استدرت وضع يده على صدري، فسألته هل تعرف أين تضع يديك؟، ألا تخجل؟، طلب مني منحه المفتاح إلا أنني رفضت مرة أخرى فنزع الصفارة والميقاتية من رقبتي والقبعة بالقوة ورماهم على الأرض، فتخيلت نفسي طفلة صغيرة، تخرج علي يدي المئات من الطلبة ولم يتجرأ أي شاب على معاملتي بهذه الطريقة، فأجهشت بالبكاء لأنني أحسست بظلم وحفرة كبيرة “.
بالرغم من أنني رفعت تقريرا إلى مدير الثانوية ومديرة التربية وأودعت شكوى لدى المحكمة، إلا أنني لم أنال حقي، حيث حكمت عليه المحكمة يتعويض بـ8000 دينار موقوفة النفاذ فقط، كما توسط لي العشرات من الأساتذة من أجل سحب الشكوى بحجة أنني امرأة وسأصاب بإحراج كبير في القضية في الوسط المهني والعائلي غير أن ردي كان دائما ……من سيعيد لي كرامتي بعد أن هدرت؟.
قصة عواطف لا تختلف كثيرا عن قصة سليمة الممرضة التي تعمل بإحدى عيادات ولاية تيبازة، هي الأخرى كانت ضحية اعتداء جسدي من طرف زميل لها في العمل متخصص في التخدير، حيث تعود تفاصيل القضية إلى غياب زميلها عن العمل في أحد الأيام دون إعلام المدير، ولسوء الحظ أن تلك الليلة شهدت حالة مرضية مستعجلة تطلبت إجراء عملية جراحية إلا أن الفريق الطبي لم يجد المخدر فتم تحويل المريض إلى مستشفى آخر، الآمر الذي عقّد من وضعه الصحي ما دفع بعائلة المريض إلى رفع شكوى للمدير الذي بدوره عقد اجتماعا طارئا للتحقيق في القضية، أين أبلغته أن الممرض المتخصص في التخدير لم يلتحق بمنصبه دون إعلامنا لاتخاذ الاحتياط اللازم، خاصة وأنني اعمل في نفس المنصب، فلم يهضم الزميل ما قلته للمدير، وبعد خروجنا من الاجتماع باغتني بوابل من الشتائم وتعدى الأمر إلى محاولة الاعتداء علي وصرخ في وجهي، وقال ” لو كان رجل لما كشف أمري مكانكن أنتن النساء في المنزل، سطوتن على مناصب الرجال، وبلغت الحادثة زوجي الذي طلب مني أن أستقيل أو أحول إلى مستشفى آخر، فاخترت الاستقالة نزولا عند رغبة زوجي “.

• بالرغم من التطور في التفكير الاجتماعي الظاهرة مستمرة
قصص كثيرة سمعناها من هنا وهناك ومثيلات كثر لعواطف وسليمة ممن تعرضن للعنف الجسدي أوالتحرش الجنسي في أماكن العمل فبالرغم من اقتحام المرأة لمجالات كثيرة كانت حكرا على الرجال والتطور الكبير في النمط التفكيري والاجتماعي لدى الجزائريين إلا أن الظاهرة لا تزال مستمرة بل تعرف تناميا خطيرا في السنوات الأخيرة، فلم يشفع مبدأ مساواة المرأة مع الرجل الذي يكرسه الدستور لفئات الجنس اللطيف أمام عنف العنصر الرجالي وتسلطه والقوانين العقابية التي سنتها الدولة مؤخرا، إلا أن الأرقام التي تكشفها الهيئات الرسمية تبين مدى خطورة الظاهرة، فرئيسة المكتب الوطني لحماية الطفولة والمرأة بمديرية الشرطة القضائية أكدت أن مصالحها تسجل ما بين 5000 و7000 حالة سنويا تتعرض للعنف، كما كشفت أن النساء ضحايا العنف أعمارهن بين أكثر من 18سنة إلى أكثر من 75 سنة، إضافة إلى أن أكثر من 1300 امرأة تتعرض للعنف هي من الموظفات، وأكثر من 100 إطار سام، و300 طالبة جامعية وفئات أخرى.
مختصون في علم الاجتماع يؤكدون:
أسباب مختلفة تؤدي إلى انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة

أجمع العديد من المختصين في علم الاجتماع، أن العديد من الأسباب تقف وراء انتشار الظاهرة، حيث أوضحوا أن ممارسي العنف ربما تربوا في بيئة عرفت هذا النوع من العنف ومارسته فورثه عن أبيه أو عن أخيه ليصير هذا طبعا فيه ومفهوما ثقافيا لا يستطيع التخلي عنه، أو ربما كان هذا الكائن بطبيعته عنيفا أو خشنا يمارس هذا السلوك العنيف من المروءة بغض النظر عن كونه متعلما أو جاهلا، وهناك فئة أخرى لا يتقبل سلطة المرأة أو مشاركتها له في بعض المجالات والمناصب، كما أضاف محدثونا أن لوسائل الإعلام آثارا سلبيا في رسم صورة ناقصة ومهينة للأنثى، إذ تقوم ببث الصور والدعايات والإعلانات التي تستخدم النساء كسلع رخيصة مما يؤثر على انتشار العنف والنظرة الجنسية للمرأة ويحرض على الإباحة وغيرها من الأمور المسيئة للأخلاق العامة، كما أن الممارسات الاجتماعية المغلوطة عبر التاريخ والمفاهيم الثقافية النمطية لكل من دور الرجل والمرأة التي تربى عليها كل منهما وأثرت بشكل كبير في ترسيخ العنف في حياة المرأة في كل أطوارها، والذي ينبع أساسا من تلك المفاهيم والقيم الثقافية المترسخة التي أدت دورا في انتشار هذه الظاهرة ورضوخ المرأة لها، وإضافة لهذه الثقافة والعادات والتقاليد.
كما أن النقص وحتى الغياب الكبير في وسائل التربية والتعليم لأسس التنشئة الاجتماعية الصحيحة بشأن العلاقة بين الرجل والمرأة وضرورة الاحترام المتبادل والود والتعاون بينهما، وعدم التركيز فيها على تنمية الشخصية المتكاملة للفتى والفتاة على أساس احترام الذات واحترام الآخر، يترك المجال مفتوحا لغزو المفاهيم الضارة لعقول الناشئة، كما أن الفهم المغلوط للقوامة وتفسيرها بالتسلط والتسيد والإطاعة والفهم المغلوط للرجولة وترجمتها إلى الشدة والحزم والضرب وكذا الفهم المغلوط لطبيعة المرأة وللطاعة وترجمتها إلى الخضوع وتحمل المهانة وعدم الاحتجاج والشكوى والأنماط السائدة في التربية والتفريق بين الذكر والأنثى وتفضيل الذكر.
روبورتاج: ل.كريم

مقالات ذات صلة

إغلاق