نبض المجتمع

المعكرة …المرأة التي كفنتها الملائكة

بقلم: سارة بانة

تتبعثر حبات الزمن لتجعلنا نركض نحو أسطورة بعبق المسك, بطلتها امرأة عاصمية ما إن يبدأ الحديث عنها تتعالى أصوات ضحكات من تراتيل وجدها, طهر بلون شفاف يتجلى في أنثى تمردت عن كل عادة شعبية آنذاك تحول بينها وبين التزين والتعطر, ليطلق عليها اسم المعطرة أو المعكرة والذي  يعني المرأة التي لا حرج لها في الخروج متزينة إلى الشارع. الأمر الذي كان يعتبر عيبا حسب عادات المنطقة خاصة عندما يتعلق الأمر بامرأة عزباء.

ولكن يبدو أن المعكرة لم تكن تميل إلى التزين الشكلي فقط, بل كانت تتعامل مع تفاصيلها الروحية بذات الاهتمام, ورغم أنها كانت على دراية أن السكان يستنكرون تمردها على عاداتهم إلا أن شيئا ما عظيم من الحب والتسامح سرعان ما ينبثق حين يلتقي أي امرئ في طريقه, ليضيء دربه ويحيا في نور العطاء الذي لا يعترف بظلمة الكراهية.

كانت تعيش المعكرة حسبما يروى في بيت كبير يقع في أحد الأحياء العاصمية العتيقة ورثته عن والديها المتوفيين مع شقيقتها التي لا يجمع بينهما سوى نفس الرحم الذي خرجا منه, أخت المعكرة كانت امرأة ملتزمة محافظة تستنكر أسلوب المعكرة في الحياة إلا أنها عرفت بحب الذات والتكبر عكس شقيقتها, كانت تقترب من المثالية الشكلية ولكن لا شيء من حب الغير يسكنها.

وذات يوم وبينما كانت تعد طبقا من لحم الحلو “أحد الأطباق الجزائرية المعروفة” طرقت البيت امرأة حامل في حالة الوحم كما يقال, اشتهت الطبق بعدما شمت رائحته التي جابت المكان, فتحت أخت المعكرة الباب لتقوم المرأة بعد السلام بترجيها طالبة أن تأكل من الطبق خوفا من أن يحصل شيء لجنينها بسبب اشتهائها للطبق وهي في فترة الوحم, وبكل برود رفضت أخت المعكرة أن تمنحها منه.

في هذه الأثناء استمعت المعكرة للحديث فنزلت مسرعة مستنكرة صنيع أختها, طالبة منها أن تمنح المرأة الطبق خوفا عليها ورحمة بها وبالطفل الذي تدسه أحشاؤها, لكن أخت المعكرة تمسكت برأيها أكثر.

غمرت الدموع عيني المعكرة, وبموقف يتفجر سخاء سحبت أختها التي كانت تعرف ضعفها أمام المال, وقالت لها إنها وإن قدمت طبق لحم الحلو للمرأة الحامل ستتنازل لها على حقها في البيت والذي يمثل نصفه.

العرض كان لا يقاوم بالنسبة لأخت المعكرة, فسارعت بكل ما أوتيت من لهفة لتحضر ورقة وتجعل المعكرة تبرم على الاتفاقية, وتم الاتفاق على تسليم نصف المنزل بعد يوم كمهلة مقابل الطبق. في حين أن المعكرة لم تكن تملك ملجأ يأويها بعد أن قامت بتلك الخطوة.

الليل يمضي طويلا, تستأنس فيه أخت المعكرة بالغد الذي ستتحصل فيه على البيت كاملا, وتركن فيه المعكرة في غرفتها وحيدة تنتظر الصباح لترحل منه إلى أبد الآبدين. وبعد أن أثقل الانتظار كاهل الساعات, انجلى الليل الذي تمكن في آخر لحظاته من إغماض عيون أخت المعكرة التي حال بينها وبين النوم السهر, ونامت المعكرة أيضا ولكن…

استيقظت أخت المعكرة على غرة, وكأنها شعرت أن وقتا مضى من الصباح الذي انتظرته طويلا, بخطى متسارعة قامت تغسل وجهها لتتجه إلى غرفة المعكرة وتستلم منها مفاتيح البيت ولكنها تفاجأت برائحة زكية تشبه رائحة المسك لكنها تفوقه طيبا تنبعث من الغرفة، اقتربت وأخذت تدق بابها ولا أحد قام بفتحه، حاولت جاهدة لكن لا جدوى من محاولاتها.

في ذعر سارعت إلى باب المنزل تصرخ مستنجدة بجيرانها, الكل هم ليعرف القصة, وبعد أن وصل الرجال قرروا كسر الباب, وما إن فعلوا ذلك حتى رأوا جثمان المعكرة في كفن لا يظهر منه سوى وجه مشرق مبتسم, تحيطه الشموع من كل جانب وينبثق منه رائحة من مسك وعنبر، صرخ الجميع في ذعر, لقد ماتت المعكرة, لقد كفنتها الملائكة.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق