نبض المجتمع

.. المعذبون فوق الأرض

الوجه الآخر للأطفال المحرومين في الجزائر

يحلم كلّ طفل، بقلم وكرّاسة وبقطعة خبز تسدّ رمقه وقطرة ماء تبلّ عطشه وملبس يغطّي عورته وحبة دواء توقف آلامه، أحلام يراها أغلبنا سهلة المنال أو في المتناول والطريق إليها قصير، لكن من يتغلغل لأعماق مناطقنا النائية وحتى بعض بلديات العاصمة، لا محالة سيصدم بما يراه عن قرب لحرمان حقيقي يلاحق براءتنا في الشوارع وفي البيوت وحتّى في المدارس، حرمان يرسم صورا مختلفة الألوان والأشكال عن أطفال لا يدرسون لأن قريتهم لم تحظ بمدرسة ولأن البلدية لم توفر وسيلة النقل، وعن متمدرسين صغار يتلقون العلوم ببطون خاوية، وآخرين محرومين من العلاج أو يعيشون الويلات داخل المستشفيات، فهذا هو إذا حال بعض أطفالنا، وهذا غيض فقط من فيض، لمن صح تسميتهم “معذبون فوق الأرض أو البؤساء”، فهل من مغيث؟

كانت الجزائر أوّل من وقّع على اتفاقيات حقوق الطّفل، وأول من بادر في وضع ترسانة قوانين لحماية البراءة، وآخرها استحداث “الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة”، هدفها توفير كلّ الحماية الاجتماعية والقانونية للطفل في خطر، لكن أمام كل هذه المجهودات المبذولة التي لا يستهان بها، وكل هذه الخطوات الجبارة التي  قطعناها لحماية البراءة، يظهر على السطح  ما يفضح وما يستدعي دق ناقوس الخطر قبل أن تتوسع فجوة ظاهرة الأطفال المحرومين، لاسيما بعدما بلغ الأمر ببعض الأولياء إلى المغامرة والمقامرة بهم بعرض البحر بحثا عما يعتقدونه حياة رغدة.

درين

معاناة مستمرة  ببارني

“تزروت درين” طفلة ذات الأربع سنوات، مريضة بفقر الدم الوراثي”المنجلي”، بدأت رحلة معاناتها مع المستشفيات، كما كشف والدها سفيان لـ”مجلة الحوار”، منذ سنتين ونصف، فهي تتنقل من الدار البيضاء إلى مستشفى بارني بحسين داي كلّ شهر لنقل الدم وفي كل مرّة يصادفها مشكل يضاعف معاناتها الصحية، إمّا الطّبيبة متأخرة، أو الممرضة غائبة، أو الدم غير متوفر، أو الدّم غير مصفّى، أو عدم وجود الدّم في المستشفى نهائيا.

ويقول والد درين “أقاسم ابنتي معاناتها وأشعر بانكسار داخلي لعجزي عن رفع الألم عن ابنتي ذات الأربع سنوات، لذا أطالب المسؤولين بمنح أولوية العلاج للأطفال، وتسهيل والقضاء على المشاكل داخل المستشفيات”، مضيفا ” أحث الأولياء بتوخي الحيطة والحذر عند معالجة أطفالهم، لأنّ ابنتي كانت ضحية خطأ طبّي، بعدما نقل لها دم غير مصفى في شهر رمضان الماضي، حيث عاشت معاناة كبيرة على مدار 3 أيّام”، والغريب يتابع والد درين ” لم يصارحني أحد بأن ابنتي نقل لها دم غير مصفّى ما أغضبني  وأدخلني في حالة هيسيرتية لم أخرج منها إلا بعد أن تدخلت الطبيبة “كاسي” وفتحت معنا باب الحوار واستمعت لانشغالاتنا، لذا أشكرها على تفهمها”.

ويقترح السيد تزروت “فتح مصلحة خاصة بالأطفال المصابين بفقر الدم المنجلي، وإجراء العمليات الجراحية على مستوى كل المستشفيات بدل حصرها في  مستشفى مصطفى باشا، لذا فالحصول على الموافقة وموعد يتطلب من والد أي مريض “المعريفة”.

كعيبي أيوب

حلمت أن أكون معلما.. لكن!!

عندما دخل الطفل “كعيبي أيوب” أول مرة المدرسة كان يحلم أن يكون معلما، واعتقد أن حلمه سيتحقق، لكن هيهات أمام جملة المشاكل والعوائق التي وقفت أمامه وحرمته من تحقيق حلمه البسيط.

“كعيبي أيوب”، عمره 13 سنة يعيش بمنطقة فرقة أولاد حمزة التي تبعد عن بلدية السواڨي بالمدية بحوالي 15 كم، دخل إلى المدرسة في السادسة من عمره ممنيا نفسه بمستقبل مشرق. كان يذهب إلى المدرسة مشيا على الأقدام، قاطعا مسافة طويلة، وكان يحلم بحافلة تقله إلى حيث يدرس وتقضي على معاناته، لكن هيهات أمام غياب دور المسؤولين، وغياب الوعود، إلى أن جاء اليوم الذي قرّر فيه ترك المدرسة.

ويقول أيوب: “خروجي من المدرسة لم يكن اختياريا وإنما كان إجباريا، فقد كنت أدرس في متوسطة سوق الجمعة، وكانت  تبعد عن بيتنا بحوالي 12 كم، لذا كان دائم التأخر عن موعد المدرسة، ولم أكن أستطيع استدراك ما يفوتني من الدروس  فحصلت على علامات ضعيفة، وكتحصيل حاصل قررت التخلي عن المدرسة”.

سألنا أيوب عن شعوره بعدما ترك مقاعد الدراسة، قال بنبرة تحسر: “عندما أشاهد أقراني بيدهم محفظة أشعر بحزن عميق وبألم لأني حرمت من المدرسة، ومن تحقيق حلمي”. ولما سألناه عن حلمه الذي منّى نفسه به عندما وطأت قدمه المدرسة، قال:” كنت أتمنّى أن أكون معلّما”. ووجّه الطّفل أيوب رسالة  لمسؤولي البلدية، قال فيها: ” نريد فضاء نلعب فيه وأجتمع  فيه مع أصدقائي بعيدا عن برودة الطقس”، وأضاف في الرسالة ذاتها ” لا تحرمونا من طفولتنا ووفروا النقل المدرسي لأقراني ولكل الأطفال حتى لا يتركوا مقاعد الدراسة مثلي”.

 

السيدةسعاد. ع

الفقر دفعني للتسول بطفلتي المعاقة

لم نكن نتوقع أن يصير التسول بالأبناء تصرفا عاديا وغير محرج، إلا عندما التقينا السيدة “سعاد. ع “، قالت بلا تردد ولا إحراج بل وبثقة كبيرة في نفسها: “أنا أتسول بابنتي المعاقة ذات الـ12 سنة منذ أكثر من ثلاث سنوات، لأن السبيل الوحيد الذي يكسبني المال والبقاء وأطفالي أحياء نرزق”.

وتابعت السيدة “سعاد”: “دوّنوا هذا وقولوا إني أتسول بابنتي، وهذا لا يحرجني ولا أراه سلوكا خاطئا، بل على العكس أراه سلوكا طبيعيا عاديا لامراة تعيش في العراء، حرمتها الولاية من سكن ولم تجد وأطفالها ما يقتاتون به”. سألناها حول ما إذا فكرت في العمل حتى عند العائلات “ردت علينا بثقة كبيرة” عملت في المنازل ولكني انقطعت بعدما أصبح يتعبني، ولأن ابنتي المعاقة أصبحت في هذا السن بحاجة إليّ، لذا قررت أن آخذها معي عندما أذهب وأتسول”.

 

طفل على قارب الموت

راني فرحان

استفحلت ظاهرة الحرقة في السنتين الأخيرتين بشكل يبعث على القلق، بل أخذت منعرجا خطيرا، بعد أن التحق بـ”الحراقة”، أطفال ورضع، أجبروا ولم يُخيَّروا من قبل أمهاتهم وآبائهم على ركوب قوارب الموت لقطع عرض البحر، في مقامرة ومغامرة نهايتها تكاد تكون أكيدة، هي الموت.

وتبين أشرطة فيديو متداولة على مواقع تواصل الاجتماعي عائلات بأكملها تركب قوارب الموت تقطع عرض البحر بحثا عن وطن آخر يوفر لهم، كما يعتقدون، العيش الرغيد. وغريب ما يحمله الفيديو أطفال أبرياء ملفوفين بأغطية، مبتسمين وغير مدركين حجم الخطر المتربص بهم، بدليل ما يسجل في كل مرة من موتى وسط الحرقة منهم أطفال.

ويظهر شريط فيديو طفل لا يتجاوز الثلاث سنوات بابتسامة بريئة مرتسمة على شفتيه، يغني مع مجموعة من الشباب ويقول” راني زعفان”، ثم “راني فرحان”، مثلما نصحهم أحدهم، غير مدرك بأنه قد ينتهي به المصير إلى ما لا يحمد عقباه.

سامحيني أمّي

وأظهر فيديو أزيد من 40 “حراقا” بعرض سواحل مستغانم، متوجهين على متن ثلاثة قوارب، وطفلا لا يتجاوز عمره 15 سنة وهو يردّد رسالة وداع لأمّه ويطلب منها السماح، ما أثار استياء وتذمر رواد مواقع التواصل الإجتماعي، وطالبوا الجهات

الوصية بضرورة التدخل العاجل لوقف ما يحدث لهؤلاء الأطفال.

مليكة ينون

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق