نبض المجتمع

أزواج يمارسون عملية الاستنزاف المالي على زوجاتهم العاملات

أغلبهن لا يملكن حق التصرف في مرتباتهن

تتعرض المرأة العاملة في مجتمعنا لمختلف الضغوطات بدءا من كثرة الأعباء بين البيت والشغل وما يتطلبه ذلك من إدارة وتدبر، إلى التحرش الجنسي الذي تعاني منه الكثيرات في القطاع الخاص، وانتهاء بجشع ونهم بعض أزواج اليوم الذين يستولون بالقوة والابتزاز أو بالحسنى على مرتبات زوجات، منهن من رضخت للأمر الواقع، ومنهن من ثارت ووصلت إلى الخلاص عن طريق المحاكم، في بلد وصل فيه تعداد النساء العاملات لأكثر من مليون من الفئة الناشطة في المجتمع، وبنسبة تتجاوز 18 بالمائة بقليل.

بعد أن كان الجزائري بالأمس القريب يشترط على من تقاسمه الحياة من قبل الزواج التخلي عن عملها خارج البيت والتفرغ لطلباته وأعباء البيت والأسرة حتى ولو كانت موظفة سامية أو متحصلة على أعلى الشهادات، ذلك لأن مرتب الزوجة كان لا يعني الرجل الجزائري  في شيئ، انقلب حال المجتمع اليوم من النقيض إلى النقيض، والزوج الذي كان يفضلها ماكثة في البيت صار يشترط لزواجه الموظفة صاحبة الشهادة، وكلما ارتقت في السلم الوظيفي وكان مرتبها مغريا كان الأمر أفضل، وأسرة الزوج هي الأخرى تخلت عن مفهوم زوجة الابن الحجبانةفي البيت وصارت تفخر من زواجه بذات المنصب التي ستهون عليه الكثير من الأعباء المادية للحياة العصرية الصعبة.

حتى حرب الناشطات في مجال حقوق المرأة وصراعهن في سبيل الحفاظ على مناصبهن لبعد الزواج انتهت على خير، ليس لأن المجتمع الجزائري نصر المرأة، وإنما لأن الأزمات الاقتصادية المتتالية هي التي هزمت الرجل الجزائري وغيّرت الكثير من المفاهيم لديه، حتى مفهوم القوامة والرجولة، بحيث تغير طابع الصراع بين المرأة والرجل من سعي هذه الأخيرة لفرض رأيها في التمسك بعملها، إلى محاولتها اليوم فرض حرية التصرف في مرتبها الشهري، الذي في غالب الأحيان لم يعد لها فيه نصيب، سواء كانت عزباء في بيت أهلها  أو متزوجة في بيت زوجها، فالأمر سيان لأن مجتمعنا تعود على صورة المرأة المعطاءة التي لا تبخل بشيء في سبيل أهلها أو أبنائها أو زوجها، فالتضحية هي نفسها وقد خلقت لها.

 

نساء خلف قضبان الاستغلال

لم تفقد المرأة اليوم حريتها في العمل كما كان يحدث قبل سنوات، لكنها للأسف فقدت حرية التصرف في مرتبها الشهري، هذا ما تشتكي منه أغلب العاملات اليوم، ومن سطوة الأخ أو الأب إلى ابتزاز الزوج، الأمر لا يختلف كثيرا. وتحت أي مسمى أو مبرر سواء كان مساعدة الإخوة في بناء بيت أكبر للزواج أو مساعدة الزوج على أعباء البيت ومصاريف الأولاد الاستغلال هو نفسه، والكثير من النساء خرجن اليوم عن صمتهن ليقلن: “كفى للاستغلال“، والكثيرات قلنها في قاعات المحاكم واعتبرنها سببا شرعيا في طلب التطليق لعدم توفر أحد مقومات الزواج السليم التي تقتضي أن يعول الرجل امرأته وبيته، لا أن ينتظر مرتبها في آخر كل شهر ويتحايل بكل الطرق لسلبها إياه.

فتيحة أستاذة جامعية شابة عرفت دوما باجتهادها سواء في الدراسة أو العمل، فحرزت على منصب يليق بها بسرعة فائقة قبل زواجها، تقول:”كنت قبل زواجي أقدم على مساعدة والدي على أعبائه الكثيرة تجاه إخوتي التسعة وكنت أكبرهم، لكني لم ألبث كثيرا حتى تزوجت، وقد تحمل والدي فوق طاقته في سبيل أن يقيم لي عرسا دون أي نقائص. احتفظت له بالجميل خاصة وأنه ظل مديونا لفترة سنة كاملة دون أن يذكر لي شيئا عن الموضوع، ولولا والدتي التي كانت تطلب مني إعانة لإخوتي، وقالت لي بالصدفة، لما سمعت شيئا عن دين والدي، وحينما قررت مساعدته على الأقل حتى يسدد ديونه تضايق زوجي كثيرا وغضب مني فانقلبت حياتنا إلى جحيم، لم أفهم موقفه واحترت، وظلت حياتنا تزداد سوءا بسبب المرتب، واحترت بين مسؤوليتي تجاه أهلي ورضى زوجي، وصرت آخر من له الحق في المرتب الذي أتعب وأشقى بسببه. وأكثر ما كان يحز في نفسي هو زوجي الذي أجبرني على دفع كراء البيت، في حين كان يستثمر ماله في شراء بيت ضمن  مشروع تساهمي باسمه طبعا كما يفعل كل الجزائريين. ومع مرور السنوات وجدت نفسي لا أستحكم على دينار من مرتبي، خاصة بعد مجيئ ابني للدنيا، واضطررت كرها أو طواعية على دفع مصاريفه وما أكثرها على أيامنا، وأحيانا كثيرة كنت أتمنى أن لا أكون عاملة وأغبط الماكثات في البيوت لأن أزواجهن يلبين طلباتهن دون مساومة أو ابتزاز.    

وفي السياق ذاته، تقول صفية: “لم يعد لقوامة الرجل على المرأة معنى اليوم ولا موقع، فالقوامة صارت على المرتب يتحكم فيه لوحده الآمر الناهي من دون وجه حق، أما القوامة الفعلية التي يعرفها الكل فهم يتغاضون عنها اللهم إلا في المسائل الأخرى التي تصب في مصلحة الرجل.

أما نسيمة فتضيف بقولها:”لو كان الأمر يتعلق بزوج يعاني من البطالة أو من طرد تعسفي أو أي ظرف استثنائي يحتم على زوجته الوقوف إلى جانبه فالأمر مشروع وواجب على كل زوجة، لكن حينما يوفر الزوج على حساب زوجته ويستقيل من آداء واجباته الاجتماعية التي يحددها الشرع والقاون والعرف،فهنا يصبح الأمر استغلالا لا يجب أن تقبله المرأة على نفسها. وكم من الحالات التي وصل فيها مثل هذا الاستغلال إلى التطرف أدت بالأزواج إلى  الطلاق، وكانت المرأة هي السباقة في طلب التطليق ثأرا لكرامتها، كحال السيدة منيرة التي عانت من سطو زوجها على مرتبها طيلة عقد كامل من الزمن، فلم تكن تحتكم على دينار منه، إلى أن اشتكت الأمر إلى أهلها لإيقاف المهزلة التي تتعرض لها فقالت:”لم أعارض في الأول، لأني اعتقدت بأن زوجي لا يستطيع تلبية طلبات البيت إلا بمساعدتي، كان يقول لي دائما بأنه لا يستطيع توفير شيئا للزمن، إلى أن اكتشفت بالصدفة بأن رصيده في البنك خيالي، ساعتها أدركت كم استغفلني زوجي واستغلني، خاصة وأن مرتبي كان ضعف مرتبه، ومع ذلك لم أوفر شيئا، وليته كان يجيب طلباتي أو طلبات البيت، فهو لا يتوانى عن صدي في كل شيء، وصار تحمل كل الأعباء قدرا محتوما علي، ثرت وغضبت في بيت أهلي دون جدوى، وفي الأخير لجأت إلى طلب التطليق، بسبب أن زوجي لا يصرف علي ولا على أولاده وحصلت عليه لأنه لم يمانع منحي حريتي، وكأنني أسديت له خدمة“.

ومن أسوء ما آلت إليه علاقات الأزواج هذه الأيام، لجوء بعضهم إلى العنف من أجل الحصول على أموال الزوجة أو سيارتها وإجبارها على التخلي على كل ما تملك حتى ذهبها، وهذا ما ينطبق على سعيدة التي رفضت إمداد زوجها بالمزيد من الأموال ليفلت من البطالة، وهو الذي لم يعمر في شغل أكثر من ستة أشهر، فأقدم على سلبها كل ما تملكه من ذهب بعد أن رفضت إعطاءه المزيد من المال واتهمته بالفشل في كل مشاريعه،وحينما واجهته بالسرقة قال لها بكل جرأة هذه ليست سرقة فالمرأة ومالها لزوجها“، وتناسى أن ما يجوز له في مال زوجته هو ما تمنحه إياه عن طيب خاطر ونفس وليس كرها، هذا للأسف حال بعض الأزواج الذين وصلوا إلى الحضيض، وجعلوا المرأة مطية للاستغلال من دون وجه حق.

 

إعالة الأسر قدر غالبية العاملات

لم يعد شعار المرأة اليوم العمل من أجل إثبات ذاتها أو تحقيق مزيد من الرفاهية في حياتها أو حتى قتل الفراغ كما كنا نسمع بعضهن يقول، لأن مهمتها الأساسية اليوم هي إعالة أسرتها، سواء كانت عزباء أو متزوجة، فهي مسؤولة عن جزء أساسي من دخل المنزل، بل أن الكثير من نساء اليوم عمادا من أعمدة الأسرة تجمعن بين دورهن في المنزل وفي العمل، وبالتالي فالمرأة الجزائرية تتحمل أعباءا  أكثر من الرجل في أحيان كثيرة، سواء كان في المدن أو في الأرياف، الفرق الوحيد هو طبيعة الشغل التي تختلف، حيث تقضي المرأة الريفية يومها في العمل بالحقول وأشجار الزيتون بالمجان، في حين يبقى العمل الإداري والتعليمي قبلة النساء في المدن.

ح/سامية

مقالات ذات صلة

إغلاق