نبض المجتمع

شهد الرضيعة “الفحلة” تصارع المرض وتتشبث بالحياة

قد يتحمل أي شخص منا ألم المرض ومعاناته، وقد يصل إلى درجة اليأس والاستسلام خاصة إذا كان مستعصيا علاجه، فلا اعتراض على ابتلاء الله وامتحانه لنا، لكن ماذا لو أنهك داء خطير بدن رضيع لم يتجاوز سنه العامين، هل يمكنه الصبر وتحمل الألم يوميا؟ تلك هي قصة شهد الرضيعة “الفحلة” كما يسمونها الأطباء، تتجرع مرارة مرض إصابها منذ ولادتها، ولا تزال رغم ضعفها قوية متشبثة بالحياة.
“شهد العابد” من بلدية منداس بولاية مستغانم، رضيعة تبلغ من العمر سنة وشهرين، لازمها المرض منذ الشهر الثاني من ولادتها، وجعل حياتها معرضة في كل وقت للخطر، أصيبت في بادئ الأمر بما يسمى بتشقق العمود الفقري وهو عبارة عن عيب خَلقِي ناجم عن انغلاق غير كامل للأنبوب العصبي لدى الجنين، حيث تبقى بعض الفقرات غير ملتحمة ومفتوحة، ما نتج عنه ظهور ورم أسفل ظهرها، هذا المرض أدى بها إلى حد ما إلى فقدان الحس والقدرة على الحركة، بالإضافة إلى تشوهات أصابت قدميها وركبها، وأصبحت حركات عينيها غير طبيعية وتجد صعوبة في غلقهما بسبب مشكل آخر وهو تضخم رأسها، وتغير حجم هذا الأخير جاء نتيجة تراكم السائل النخاعي في الجيوب والتجاويف الداخلية لدماغها، وهذا ما قد يؤدي لإصابتها باختلال عقلي مستقبلا، لم يرحمها المرض ووجه شراسته نحو عينها اليسرى فتمت جراحتها لكن الأمل ضعيف في إعادة تأهيل البصر إليها، بالإضافة إلى عدم تمكنها من تناول الحليب إلا بواسطة الأنبوب الأنفي ، -كما روته لنا خالتها- وظلت شهد تكابد يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر المرض، تضيف الخالة “لم نترك باب مستشفى إلا وطرقناه بحثا عن علاج لها، لكن في كل مرة كانت حالة ابنة اختي تزداد سوءًا، وفي كل مرة نسرع بها إلى المستشفى تُجرى لها عملية جراحية، فقد أصيبت مؤخرا بالتواء أمعائها الأمر الذي استدعى فورا خضوعها إلى الجراحة، تضيف خالتها “أحيانا تخضع لعمليتين خلال شهر واحد فقط، لكن جسدها الصغير لم يعد يقوى على تحمل عمليات أخرى ولا يمكن لأي أحد منا تحمل ما تحملته رضيعة في سنها.
أكثر من أربع عمليات جراحية، وخز إبر الحقن المتكرر، أجهزة طبية متصلة بجسدها الرهيف ليل نهار، كل هذا قد أرهقها، وزاد من معاناتها دون الوصول إلى نتيجة تذكر، ومع ذلك لا تزال شهد تتحمل وتصارع المرض لأجل البقاء على قيد الحياة، فأطلق عليها الأطباء والممرضون في مستشفى وهران اسم الرضيعة “الفحلة”، أي القوية الشجاعة.
إن وجود الأم والأب في حياة الأطفال، يعني الحماية، الأمان، والحنان، كل هذا لم تنعم به شهد فالأب العاطل عن العمل قد تخلى عنها بسبب ضيق الحال، وعدم قدرته على التكفل بمصاريف علاجها المرتفعة، فسلّم فلذة كبده لجدتها من الأم، فكان قدرها أن تذوق الأمرّين غياب والديها ومصارعة المرض، لكن الله رحيم بعباده فقد عوضها بجدة وأخوال أحاطوها بالعطف والرعاية، غير أن ظروفهم الاجتماعية القاهرة وقفت حائلا دون مواصلة علاجها، ولم تجد خالتها سوى اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتوصل حالتها للجميع لعل قلوب المحسنين ترأف لها، فملأت صور الرضيعة شهد صفحات الفضاء الأزرق خلال الأسبوع الماضي، وفعلا فقد تعاطف معها الكثيرون لكن لم يبادر أي أحد لمساعدتها، بل أن بعض رواد “الفيسبوك” طلبوا من المشرفين على هذه الصفحات بالتوقف عن نشر صورها واصفين إياها بالمؤلمة والتي لا تُحتمل، فإذا كانت قلوب هؤلاء لا تقوى على التأمل في شكل شهد الذي شوهه المرض، فكيف بحال أهلها الذين يرون قرة عينهم أمامهم بهذا الشكل تصارع الموت والحياة صباحا ومساءً؟ ومهما كانت معاناة الرضيعة شهد فلا اعتراض على حكمة الله في ابتلاء قد يجازى به أهل والدتها خيرا.
ونحن نوشك على كتابة الأسطر الأخيرة من قصة شهد، اتصلت بنا خالتها وأخبرتنا أنه تم نقلها على جناح السرعة إلى إحدى المستشفيات بمستغانم، بعد أن تعرضت لأزمة مفاجئة، فتم تحويلها لمستشفى آخر بمدينة وهران، وللأسف رفضوا احتجازها هناك حيث قال لها الطبيب بالحرف الواحد –كما تقول خالتها- “لا نستطيع فعل أي شيء لها”، فعادت إلى “الدوار” الذي يسكنون فيه ببلدية منداس حاملة بين ذراعيها “شهد” والحزن واليأس يمتلكانها بعد أن قطعت آلاف الكيلومترات لعلاجها، فلم يعد بوسعها سوى التضرع إلى الله ليرحم معاناة صغيرتها ويبعث لها من ينقذها، لم تعد خالتها قوية كقبل، فقد كانت شبه منهارة وطلبت منا عبر يومية “الحوار” توجيه استغاثتها للمسؤولين في وزارة الصحة والمحسنين ليتكفلوا بعلاج شهد خارج الوطن، قبل فوات الأوان.
نجاة دودان

مقالات ذات صلة

إغلاق