نبض المجتمع

أدعو إلى فتح باب الحوار مع الأطباء قبل الوصول إلى مرحلة الشلل التام

أماط رئيس عمادة الأطباء، الدكتور بقاط بركاني، اللثام عن عدة مشاكل تعصف بقطاع الصحة في الجزائر، بدءا من انعدام الحوار بين الوزارة والعاملين في القطاع، ومرورا بنقائص مشروع قانون الصحة قيد النقاش، إلى تفشي الأمراض المزمنة، وعلى رأسها السرطان، وفي هذا اللقاء الذي جمعه بـ”الحوار”، دعا بقاط بركاني وزير الصحة إلى ضرورة الإسراع إلى فتح باب “الحوار”، قبل أن تصاب مستشفياتنا بالشلل التام.

شهد قطاع الصحة مؤخرا إضرابات تكاد تشل المستشفيات، كيف تنظرون إلى الوضع وماذا تقترحون كحلول؟

كل ما حدث سببه انعدام الحوار، لأن الواقع أن مشاكل النخبة الناشئة للأطباء الأخصائيين هي نتيجة تراكمات سنين من مشاكل متعدّدة، بعضها يتعلّق بالوضعية الاجتماعية لهؤلاء، والبعض الآخر يتعلق بالتكوين، وأيضا بالمشاكل المهنية، حيث يجد الأطباء المقيمون أنفسهم في وضعية بطالة مقنعة أثناء أدائهم للخدمة المدنيّة، وذلك بسبب انعدام الإمكانات التي تخول لهم القيام بمهامهم بصفة مقبولة، وبرأيي أن تجربة الخدمة المدنية أعطت نتائج فاشلة، فلا فائدة من نفي الطبيب لسنتين يبقى فيها معزولا وخارج الخدمة، لا له ولا حتى للمرضى، طالما أن الإمكانات غير متوفرة، وهذه الوضعية في الواقع تركت أثرا سيئا على هذه النخبة الناشئة من الأطباء، وتحولت إلى غضب حقيقي، لهذا كنا أول من دعا إلى فتح باب الحوار معهم قبل الوصول إلى مرحلة الإضراب والتأزم الحاصل اليوم، لكن كما يقال “لا حياة لمن تنادي”.

وأكرر مطلبي اليوم بوجوب فتح باب الحوار في أقرب وقت، لأن بعد هذه الأزمة ستأتي مرحلة الشلل التّام .. لكن يا ترى هل يستطيع المرضى تحمل تأجيل مواعيد العلاج والعمليات الجراحية في المستشفيات ومراكز الصحة أكثر من هذا؟و هذا غير معقول في قطاع حساس لا يحتمل التأجيل.

وهناك مشكل آخر يواجه هذه الفئة، ألا وهو الخدمة الوطنيّة، فالسّلك الطبي هو القطاع الوحيد غير المعني بقرارات الإعفاء من أداء الخدمة الوطنية، أما الحلول فيجب أن تأتي من مهنيي القطاع والعاملين فيه، وليس من موظفي مكتب الوزارة، الذين لا علاقة لهم بالطّب، ونأمل أن يكون الحوار هذه الأيام.

 

  • *ما تقييمك لمشروع قانون الصحة الجديد، وما نقائصه؟

هذا المشروع للأسف أنجز بشكل سريع، وفيه سلبيات كبيرة، ولم تدرج فيه أهم نقطة ألا وهي السياسة الوقائية التي تعتمدها أغلب الدول المتقدمة اليوم، والتي تنعكس بالإيجاب على الصحة العمومية، وعلى خزينة الدّولة، ومن شأنها أن تعطينا نتائج فردية وجماعيّة، على سبيل المثال مرض السّرطان اكتشافه المبكر ينعكس بالإيجاب على صحة الفرد وعلى خزينة الدولة أيضا، وهذا ما لم يؤخذ بعين الاعتبار في القانون، نحن كعمادة الأطباء طالبنا بإنجاز مركز وطني خاص بالوقاية تحت وصاية الوزير الأول، يخرج من دائرة وزارة الصحة، لأن المهام في هذا المركز ستتقاسمها عدة وزارات، عندنا أيضا اليوم مشكل في تقتير الميزانية، بالإضافة إلى مشكل تعميم العلاج أيضا عبر كامل التراب الوطني، لأنّ العلاج هو حق لكل الجزائريين. كما يجب أن نشرك في هذا القانون كل المهنيين في القطاع الصحّي، وليس الأطباء فقط، حتى التقنيين والممرضين، لكننا للأسف تفاجأنا بأن هذا القانون لم يأخذ بعين الاعتبار جل مشاكل القطاع، وحتى نواب البرلمان تفاجأوا به، ولم تكن لديهم حتى نسخة عنه، لذا نأمل أن تكون هناك قراءة ثانية لهذا المشروع، لأنه لا جدوى من سن قوانين لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

*تضمّن قانون الصّحة الجديد 40 نصا عقابيّا، هل ترى أنه ضروري للحد من الأخطاء الطبية أم فيه مبالغة؟

للأسف، فحتى مشكل الأخطاء الطبية في الجزائر مرتبط بالإمكانات، حينما تتوفر الإمكانات العصرية تقلّل فرص الخطأ في التّشخيص، وأنا أتساءل لماذا نخصّ مهنيي قطاع الصّحة بقانون عقوبات خاصّ، قانون العقوبات يجب أن يكون عاما لكل الجزائريين، ولسنا بحاجة إلى إدراج 40 نصا عقابيا ضد الأطباء في قانون مدني، قد ينعكس سلبا على آدائهم في المستقبل. وبرأيي أن الخطأ الطبي مثله مثل أي خطأ آخر، نخوله لسلطة قانون العقوبات العام، والقاضي هو الحكم.

قانون الصحة يجب أن يتوفر على أمور تنظيمية للقطاع وميكانيزمات لحسن سير هذا القطاع، أما أن ندرج 40 مادة من 400 مادة في القانون تتحدث عن العقوبات، أي بنسبة تقدر بـ10 بالمئة من مجمل القوانين، فهذا ما لم نره في أي بلد في العالم.

*هل هناك رغبة مبيّتة للقضاء على العلاج في القطاع العام في الجزائر وتشجيع القطاع الخاص؟

لا أظن ذلك، ليست هناك أي نية مبيّتة للقضاء على القطاع العام في مجال الصّحة، لأن أكبر الدول المتطورة، وحتى الليبرالية منها، يسود فيها الطب العام، والقطاع الصحي بالجزائر يواكب النموذج الفرنسي، حيث القطاع العام هو السائد.

*هناك شكوى دائمة من غياب الإنسانية في مستشفياتنا، ما السبيل لأنسنة القطاع؟

نقص الإنسانية في مستشفياتنا راجع إلى نقص في تكوين المهنيين في قطاع الصحة. الأطباء عندنا لا يتلقون تكوينا في الإنسانية، يدرسون تقنيات الطب، بينما الجانب الإنساني مهمل في التكوين، ومشكل الإنسانية يمس كل مهنيي القطاع، بمن فيهن الممرضون وتقنيو الصحة، الصراخ صار للأسف أمرا عاديا في غرف المرضى، الاصطدام والمشاكل، وهذا غير مقبول.

*15 ألف طبيب تلقوا تكوينهم في الجزائر ثم هاجروا إلى فرنسا، كيف نوقف نزيف هجرة الأطباء؟

هناك حوالي 15 ألف طبيب هاجروا إلى فرنسا، 5 آلاف منهم تمت تسوية وضعيتهم، يعني يعملون في إطار قانوني في فرنسا، والباقي يعملون بطرق غير شرعية، وينتظرون الفرصة لتسوية وضعيتهم، وهذه وضعية غير مقبولة، ومن المفروض أن الأطباء ينتمون إلى النخبة التي لا تعاني من البطالة، لأننا بحاجة إليهم، لكن هجرتهم هي أكبر دليل أنهم لم يحظوا بالاعتبار الذي يستحقونه، وهذا أمر مؤسف، ويعيدنا للحديث عن وضعية الأطباء المقيمين، حيث لم تستقبلهم الوزارة إلا بعد 3 أسابيع، أي بعدما تأزم الوضع، بينما كان يجب على وزير الصحة أن ينزل إليهم في نفس اليوم، هؤلاء هم تلاميذه، ومن حقهم عليه أن يسمعهم، لكن ما حدث حوّل المطالب إلى اضطرابات وضغوطات، وصارت الصحافة تكتب والشارع الجزائري يتساءل.

*يرى جلّ المواطنين اليوم أن النخبة الناشئة من الأطباء ليست في المستوى، مقارنة بالجيل القديم، هل تراجع مستوى تكوين الأطباء؟

هناك نوع من التراجع بالفعل في تكوين الأطباء، مع أنه من المفروض أن المتخرج حديثا يكون أحسن، لأن الطب في تطور مستمر، والطبيب الشاب من المفروض أنه درس التقنيات الأخيرة، لكن الواقع ليس كذلك للأسف، لأن التكوين مازال في معاهد قديمة، الأساتذة ليسوا في المستوى، والطلبة اليوم لا يحسنون اللغة الفرنسية، وبالتالي هناك نقص في الفهم، ورغم أن سياسية الجزائر اتجهت نحو فتح كليات للطب في عدة ولايات من الوطن، على غرار الأغواط وبشار وورقلة، لكن طالما أن التكوين فيها ناقص، فالمطلوب اليوم هو رفع المستوى وتبني سياسة صحية مسطّرة وواضحة المعالم.

*شهدت الجزائر في الآونة الأخيرة انتعاشا كبيرا في مجال الطب البديل.. ما تفسيركم؟

رأيي أن المرضى الذين لا يقدرون على تكاليف العلاج يتوجهون إلى الطب البديل، وفي الواقع أن هذه الظاهرة كانت موجودة من زمان في الأسواق الشعبية، لكنها أخذت حجما آخر بفضل بعض وسائل الإعلام، وبصفة خاصة القنوات الفضائية الخاصّة، التّي قدّمت بعض المعالجين وكأن في يدهم الحلّ لمشاكل صحية مستعصية، يحدث هذا بالموازاة مع انتشار بعض الأمراض الجديدة والغريبة التي لم يجد لها حتى الطبّ حلا، والنتيجة انتشار محلات ومراكز تمتهن النصب والاحتيال، واستغلال حاجة الناس للعلاج، وهنا تتدخل مسؤولية الدولة في اتخاذ إجراءات صارمة.

*ملايين الجزائريين مصابون بأمراض مزمنة، ما السبب برأي عمادة الأطباء؟

هذا راجع أولا لتغيير النمط المعيشي للجزائريين، الوضعية المادية للجزائريين تحسنت كثيرا خلال السنوات الماضية، صاروا يأكلون أكثر فأكثر السكريات، ويستهلكون حريرات أكثر من حاجتهم، حتى الأطفال أدمنوا “الفاست فود”، وبالنتيجة انتشرت البدانة، وهؤلاء الأطفال سيمثلون جيلا مريضا في المستقبل، إن استمر الوضع هكذا، دون نسيان البيئة، والمواد السامة المنبعثة من وقود الشاحنات والحافلات، بالإضافة إلى أن الكثير من الجزائريين لا يتحلون بثقافة الكشف المبكّر، وهنا أشدد على النساء بعد سن الأربعين إجراء الفحص الطوعي “الماموغرافي” والرجال الكشف عن “البروستاتا” أكثر الأمراض الخبيثة فتكا بالجزائريين.. وكل هذا يحيلنا لضرورة إنشاء مركز وطني للوقاية يسطر الممنوعات، ويحظر السلوكيات المضرة بالصحة العمومية في كل مجالات الحياة.

*إلى متى يظل ملف مرضى السرطان شائكا.. تأخر في مواعيد العلاج ونقص في المراكز المتخصصة؟

مرض السرطان صار للأسف اليوم “شرا لابد منه”! بالنظر إلى ارتفاع معدل الحياة عند الجزائريين، فالقليل فقط من مواطنينا من يموت موتا طبيعيا. السرطان يطال اليوم 8 من 10 من الجزائريين من أسباب الوفيات، وأكررها أن المهم ليس العلاج، وإنما الوقاية التي تسمح للمريض بالكشف المبكر، حيث يجري المريض عملية جراحية كأي عملية جراحية.

الممثلة الأمريكية أنجيلا جولي، قامت بعملية استئصال وقائية لثدييها، بعد أن اتضح أن جيناتها الوراثية تحمل إمكانية الإصابة بالسرطان… هذه مبالغة طبعا، لكن لأؤكد بهذا النموذج أن الوقاية خير من العلاج.

الأهم في مرض السرطان هو الوقاية، لأن المرض الخبيث إذا انتشر في الجسم، فلا أمل معه… والتشخيص المتأخر يحدد العمر الباقي للمريض، وأي علاج بعده لا ينفع، سوى بتمديد الأجل لسنة أو اثنين على الأكثر، ويكلّف خزينة الدولة أموالا طائلة دون جدوى.

حاورته: سامية حميش

مقالات ذات صلة

إغلاق