رمضانيات

معالم من العمارة المغاربية الأندلسية لا زالت تتحدى الزمن

نصيرة سيد علي

مدينة الجزائر الجوهرة الشامخة على ضفاف البحر المتوسط طالما أثارت مطامع الملوك الأوروبية، قبل أن تغزوها القوات الفرنسية في 1830، كانت تعد 100 مسجدا و32 كنيسة، تعرض أغلبها للتهديم أو تم تحويلها إلى ثكنات أو كنائس على غرار مسجد كتشاوة.

تشير أرقام غير رسمية، إلى أن مدينة الجزائر كانت تتوفر في1830، وهي سنة سقوط المدينة والجزائر برمتها وبداية الاستعمار الفرنسي، على 13 مسجدا كبيرا و109 مسجد صغير، و32 كنيسة و32 زاوية.

في السياق ذاته، كتبت عائشة كردون في كتابها “المساجد التاريخية في مدينة الجزائر، “أن “جميع المساجد قد تم نهبها أو تم تدميرها بشكل كلي بحجة توسيع الطرق أوالحفاظ على النظام العام”.

وتعرضت أبرز مساجد العاصمة الجزائر التي تعود إلى العهود الزيانية والمرابطية و الموحدية أو العهد العثماني، للتدمير الممنهج أو تم تحويلها إلى كنائس وثكنات ومكاتب إدارية تابعة للإدارة الاستعمارية، إلا أن هناك من هذه المؤسسات من قاومت الاستدمار الاستعماري، وظلت شامخة كمعالم متحدية الزمن في مدينة الجزائر القديمة بالقصبة، أو”الجبل” بالنسبة للعارفين.

ومن بين هذه الصروح الدينية الجامع الكبير الذي كان يسمى قديما الجامع الأعظم (409 هجرية – 1018 ميلادي) الشامخ، أو أيضا الجامع الجديد المعروف قديما بالمسجد الحنفي (1070 هجرية – 1660 ميلادية) مقابل ساحة الشهداء، كما يوجد هناك مساجد القصبة المعروفة فقط من سكانها أو زوارها.

 

جامع سفير.. نافذة على الماضي

إذا أضفنا إليها مسجد علي بتشين (1032 هجرية – 1622 ميلادي) الواقع بالقصبة السفلى وباتجاه باب الوادي، فإن مدينة الجزائر كان لها مساجد بمختلف أنماط العمارة، من النمط االبيزنطي إلى الأندلسي مرورا بالهندسة المحلية والعثمانية والموحدية، حيث كانت تتميز باستعمال الزليج.

ومن بين هذه التحف المعمارية جامع سفير الواقع بقلب المدينة بالقرب من مسجد سيدي امحمد الشريف، حيث أن هذا الجامع بطرازه العثماني واسمه القديم جامع قايد سفر بن عبد الله، قد شيد في القرن الـ16 (941 هجري – 1534 ميلادية) على يد مسيحي أعتقه خير الدين بربروس، بعد أن اعتنق الإسلام وتعلم القرآن واللغة العربية.

أشرف قائد سفر بن عبد الله على تمويل بناء هذا المسجد الذي يعتبره المختصون “تحفة معمارية في الجزائر”، وقد تم بناؤه في ظرف تسعة أشهر وأخذ اسمه الحالي “جامع سفير” منذ القرن الـ13 الهجري.

أما في الجهة السفلى من الزقاق المعبد بالحجر المصقول باتجاه الشارع، الذي استعمل كديكور لفيلم ج. بونتيكورفو (معركة الجزائر)، وصعودا بعدها نحو باب جديد، توجد زاوية سيدي امحمد الشريف التي بنيت في القرن الـ16 والتي أصبحت حاليا مسجد سيدي امحمد الشريف، وتحمل هذه الزاوية القديمة اسم أحد أشهر الرجال الصالحين بمدينة الجزائر.

ولا زالت توجد بقصبة الجزائر أو كما كانت تعرف قديما “بالمحروسة”، عديد المساجد التي لازال السكان يحافظون عليها والتي يزيد عمرها أحيانا عن ألف سنة.

 

روح القصبة

يحيط بالمساجد محال للخبازين والخياطين والنحاسين وصناع الحلي والخزافين والحدادين والنجارين، والتي أسهمت في ازدهار سكانها وصنعت روح المدينة.

ومن بين هذه المساجد التي حظيت بالاعتناء رغم قدمها نجد مسجد سيدي رمضان، أو كما كان يعرف بجامع القصبة القديمة، الذي تم تدشينه في عهد بولوغين بن زيري في سنة 362 (القرن الرابع) الهجري و(973 الميلادي).

أما بشارع سيدي عبد الله، فيوجد مسجد شيد في حدود القرن الـ10 الميلادي، ويحمل اسم الشيخ سيدي شعيب.

وبخصوص مسجد علي بتشين الذي بناه ضابط بحرية من أصل إيطالي، الذي أعطاه اسمه بعد أن اعتنق الإسلام في شهر رجب من سنة 1032 هجرية، فيما يعتبر البناء الذي يغلب عليه الطابع “البيزنطي” أكثر من المساجد الأخرى لمدينة الجزائر.

ثم هناك المساجد الأخرى للقصبة الأقل شهرة على غرار مسجد سيدي بن علي (مسجد حنفي -القرن الـ18) ومسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي (القرن الـ13)، و جامع البراني بباب جديد الذي يعود للحقبة العثمانية.

أما مسجد الداي الذي حولته الإدارة الاستعمارية في 3 ماي 1839 إلى كنيسة “الصليب المقدس”، فقد عاد إلى مهمته الأساسية بعد استقلال البلاد، و هو يتوسط قصر الداي، وبالتالي سمي باسمه.

 

ميزو مورتو و سيدي امحمد بوقبرين

من بين المساجد التي بنيت خارج الأسوار التي تحيط بمدينة الجزائر، هناك مسجد سيدي امحمد بوقبرين (القرن الـ19).

لقد كانت زاوية سيدي امحمد الذي قام بدراسات في علوم اللاهوت بالقاهرة، وكلف بعد عودته من قبل الداي حسين، حيث منحه أرضا بالحامة وبنى تلك الزاوية لتعليم الإسلام، علاوة عن صفة الإمام.

كما كان لسيدي امحمد زاوية بآيت إسماعيل بالقرب من دراع الميزان، حيث وافته المنية ودفن بها في سنة 1208 هجرية (1793-1794)، إلا أن جثمانه قد أخرج ليلا ونقله مريدوه بالجزائر إلى زاويته بالحامة، حيث أعيد دفنه من جديد، وبسبب هذه الحادثة سمي المسجد بسيدي أمحمد بوقبرين، ودفنت به شخصيات كبيرة من مدينة الجزائر والجزائر المكافحة من بينهم المقراني بومزراق أخ الحاج بن احمد الحاج المقراني الذي توفي بالجزائر العاصمة في جويلية 1906، بعد أن تم نفيه إلى كاليدونيا الجديدة في سنة 1873 بعد ثورة 1871، إلا أن عدد المساجد ودور العبادة بالجزائر العاصمة التي قامت الإدارة الاستعمارية بتدميرها، يعد أكبر من تلك التي صمدت وبقيت، ويوجد على الأقل 38 مسجدا من أشهرها ميزو مورتو ومسجد الميناء و مسجد الشماعين.

وقد تم بناء مسجد ميزو مورتو الوقع بين باب عزون و شارع شارتر في سنة 1097 هجرية (1685-1686)، على يد باشا الحاج حسين أحد الإيطاليين يسمى ميزو مورتو (نصف ميت)، و يتوفر المسجد على منارة كبيرة و مزين بالزليج.

وتمكنت سفينة من سفن باشا الحاج حسين في 26 سبتمبر 1575 خلال رحلة في البحر المتوسط، من أسر الشخص الذي أصبح مشهورا بكتابه “دون كيشوت دى لامانشا”، وهو ميغال دي سارفانتيس سافيدرا و شقيقه رودريغو.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق