رمضانيات

مسجد “سيدي مروان”.. درّة المتوسط

نصيرة سيد علي

حظي مسجد سيدي مروان بمدينة عنابة بدراسات كثيرة، كانت بدايتها من طرف الأثري الفرنسي مارسي، في مقال له نشره في كتاب خاص بتكريم من أخيه وليام، ثم توالت دراسات أخرى كالتي عقدها غولفان في كتابه عن المغرب الأوسط في العهد الزيري، وكذلك الدراسات التي قام بها الأثري الجزائري رشيد بوروبة، خاصة في كتابه عن فن المعمار الديني بالجزائر الإسلامية، بالإضافة إلى الرسومات التي أنجزها الفرنسيون، ومنهم ليسور، وويلد  وبربر وغجر، الذين أيدوا الإدارة الفرنسية مع فكرة الاحتلال الفرنسي لبلادنا.

غير أن إشارات إلى مسجد أبي مروان كانت من طرف العلامة أحمد البوني، الذي أشار في كتابه ” الدرة المكنونة”، إلى أن المسجد تأسس في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، أي في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي.

صاحب القبتين

الأهم أن المسجد كان في الفترة الزيرية، وأن بعض ملامحه المعمارية متطابقة مع مسجد القيروان بتونس، والتي أتى بذكرها رشيد بورويبة، والتي منها:

في واجهته الخارجية المتمثلة في المجاز المحوري العريض مع الإرتفاع والحامل للقبتين، وهما قبة المحراب وقبة البهو، وقرن ووسادات التي نصبت عليهما تيجان، كما توجد فيه بعض المواصفات للعمارة الفاطيمية بتونس، ومعها أيضا بعض الملامح  الصنهاجية والمتمثلة في الأقباء المتقاطعة الأضلاع التي كانت معروفة في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي مع وجود  قبة البهو كالتي  توجد في جامع الزيتونة، وفي ضريح ضراسان بتونس التي لم ترتكز على المثمن القاعدي المشكل من مربعين غير متطابقين بل بملء أركان المربع، والمعروفة بالمثلوثات الكروية التي حولت المربع إلى مثمن، لوضع القبة دون ترك فجوات جانبية، إضافة إلى زخرفة بدن الخارجي بتعاريق غائرة حلازونية الشكل، وهي مخالفة لتعاريق القيروان المستقيمة كالتي توجد في مسجد بني القهاوي بسوسة التونسية.

هذه المعطيات جعلت الباحثين يؤكدون على أن تأسيس وبناء مسجد أبي مروان كان في العهد الزيري.

بعد رحيل الفاطيميين في المغرب الإسلامي إلى تونس ، وهو ما سمح للزيريين أن يؤسسوا عدة معالم في المغرب الأدنى “تونس”، كما أن بداية التعمير في المغرب الأوسط “الجزائر” كان بعد أن أنتدب الأمر للذين انفصلوا عن الزيريين بتونس، وبذلك يكون مسجد أبي مروان بعنابة هو بداية ذلك التعمير، ومن ثم كان التعمير قد بدأ قبل هذا التأريخ في كل من أشير وقلعة بني حماد.

النمط المعماري

يمتاز مسجد سيدي مروان استنادا إلى الباحث ذاته بنمط القائم على الأعمدة ككل المساجد الأولى التي بنيت في العالم العربي والإسلامي، وأن الأعمدة التي وضعت بهذا المسجد كما يؤكده الدكتور محمد الطيب عقاب، هي تلك التي شيدت بها الكنائس المسيحية المتهدمة، لأن مسلمي المغرب الأوسط كانوا في عجلة من أمرهم، وحاول الاقتصاد في الوقت والإسراع في عملية إنجاز المسجد في ظرف قياسي، لذلك نلاحظ على وسائل دعم الأعمدة خصوصا تجانسا كبيرا فيما بينها، وليس كما هي في مسجد ميلة “أبومهاجر دينار” والتي كانت وسيلة رفع سقفه متنوعة من دائرة إلى مكعبة، بل أضيف إليها مواد أخرى لرفع سقفه، أما مسجد أبي مروان الأثري، يقول المتحدث ذاته  فكانت كلها مستديرة، وأكثرها مصنوعة من مادة الرخام المجزع ذي النقوش الرائعة، ولأجل رفع سقف هذا الصرح الديني العتيق فقد لجأ البناؤون إلى تشكيل قرم يصل طولها إلى نصف متر، مع استحداث عقود جديدة، وهي العقود الحدوية التي تزيد من عملية انتشار الضوء إلى داخل أركان المسجد خاصة باحة الصلاة، وهذا النظام يقول عقاب عرفه كل من مسجد القيروان بتونس ومسجد “أبو مهاجر دينار” بميلة مع اختلاف مع هذا الأخير في شكل العقود، ففيما مسجد ميلة مثلا كانت العقود منكسرة متجاوزة، بينما في مسجد أبي مروان بعنابة نجد العقود حدوية متجاوزة، مع انعدام قواعد الأعمدة في مسجد عنابة الأثري، عكس مسجد ميلة التي كانت فيه القواعد مصاحبة للأعمدة، وهو ما يفسر قصر القرم في مسجد أبي مهاجر دينار وطويلة نسبيا في مسجد أبي مروان، وهذا النمط تم اعتماده في الكثير من العمارات المسجدية التي تم تشيدها فيما بعد.

النظام التخطيطي

وعند استقصاء النظام التخطيطي لهذا الصرح الديني، يقول عقاب، فهو كما أشرنا سابقا يقوم على تثبيت الدعائم والأعمدة فيه موزعة فيما بينها بالتعاقب أي من عمود إلى دعامة مثمنة، نتج ذلك حصول تقاطع في الأروقة عموديا وأفقيا، فكانت الأروقة الموازية لجدار القبلة هي الأساكيب، والعمودية هي البلاطات، فعلى رغم تساوي الأروقة فيما بينهما، أما شكل الهندسي لهذا المسجد جاء مستطيلا، له ثلاثة أبواب جهة يسار القبلة، وخمسة أبواب في نهاية الأسكوب السابع الموازي لجدار القبلة، والذي يحتوي على قبة البهو، مع التذكير على وجود رواق الصحن، وبجانبه الأيمن مقصورة لها أبواب، واحد متجه نحو بيت الصلاة، والآخر يفضي إلى الصحن، وأما الباب الثالث يفترض أنه يؤدي إلى مرافق يبدو أنها كانت موجودة من قبل، لأن هناك بعض البقايا المعمارية تنتهي بسلم المئذنة، وهكذا يكون مسجد أبي مروان بعنابة يضيف المتحدث ذاته قد سجل عنصرا جديدا في الزخرفة الملحقة بقبة المحراب، ذات الشعاع المتوهوج، فحنية المحراب وقبته متميزتان فالحنية عميقة وواسعة كما تم تزين قبته بضلوع غائرة كأنها أشعة الشمس، وهي دلالة رمزية على تمكن السكان بالإسلام، ونوره الله، وتحرروا من العبودية التي عاشوا فيها لمراحل طويلة، كما يوجد بالمسجد بعض الملامح المعمارية التي تعود إلى العمل المحلي، والمتمثل في التيجان الفترة الصنهاجية، ذات التكوينات الزخرفية المتشابهة لها بالمنطقة، فهي أولا ذات حلقة دائرية من قاعدتها وعلى جزئها العلوي تشرشيفة متدلية في شكل ورقة نباتية جامدة، بوسطها أخدود غائر ممتد من الأعلى التاج إلى وسطه، كما حفر خط متموج تحت حافة التاج نفسه، غير أن زخرفة قبة البهو تبدو وفريدة من نوعها، في مرحلة بناء على الأقل، لأن مثل تلك القبة  ظهر فيما بعد في بقية الدول الإسلامية خاصة في مصر المملوكية.

الاستعمار حوله إلى مستشفى

ولم يحدد الأستاذ بورويبة حسب مااستقيناه من الدكتور عقاب أن التدخلات التي استحدثت في العهد العثماني، بينما أشار إلى التدخلات التي قامت بها الإدارة الفرنسية على بيت الصلاة، حيث عمت إلى تشكيل طابق أو مستوى وسطي كالذي استحدثه في مسجد ميلة، حيث حولته الإدارة الفرنسية إلى مرقد لجنودها المرضى، أي تم تحويله إلى مستشفى الأمراض العقلية.

وعلى الرغم من التأثير القيرواني على مسجد أبي مروان إلى أنه حمل إلينا بعض المعالم المحلية التي لم تكن معروفة من قبل، وخلص عقاب قائلا يمكن القول إن الجزائر لم تكن منعزلة في ذلك الوقت عن حركة التعمير الإسلامي، بل كانت حاضرة ومتفاعلة مع ما كان يحدث في الساحة السياسية الحضارية.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق