أراءمساهمات

آث يني .. جبل الصُيَّاغ


الدكتور محمد أرزقي فراد
كاتب وباحث في التاريخ

أهدى لي السيد بلقاسم عَشِيتْ كتابه القيّم الذي حرّره باللغة الفرنسية الموسوم: “جبل الصُّيّاغ” Le Mont des Orfèvres الصادر سنة 2017م، وهو كتاب مفيد تحدث فيه من خلال شريط ذكرياته ومطالعاته، عن الحياة الاجتماعية ومظاهر مقاومة الاستعمار الفرنسي على جميع الأصعدة، في منطقة آث يني بجبال جرجرة الشاهقة، واصفا فعاليات المجتمع بأسلوب سلسٍ وجذّاب. هذه المنطقة الطيبة التي أنجبت مفكرين كبارا في حجم المفكر محمد أركون، والأديب مولود معمري وعلماء كثيرين استقروا بالشام في القرن 19م هروبا من بطش الاستعمار الفرنسي، لعل أشهرهم عالم الرياضيات جودت الينيوي. وبالنظر إلى نجاح المؤلف في استنطاق الذاكرة الجمعية في موضوع العادات والتقاليد التي كانت تؤطر المجتمع، وإلى نجاحه في تلمس مظاهر المقاومة الثقافية للإستعمار الفرنسي، فقد بدا لي أن العنوان الأنسب للكتاب هو:”آث يني صاغة المقاومة”. لذا أرجو أن يكون -على الأقل- عنوانا لترجمة الكتاب إلى العربية المرجوة في الأجل القريب.

كلمة قصيرة عن المؤلف

قبل الحديث عن الكتاب، لا بد من كلمة قصيرة عن المؤلف بلقاسم عَشِيتْ المولود سنة 1946م بقرية آث ميمون (بلدية آث يني)، فهو من الأطفال الذين حالفهم الحظ في الالتحاق بمدرسة الآباء البيض بمقسط رأسه، ليلتحق في عهد الاستقلال بثانوية عميروش بمدينة تيزي وزو، فجامعة الجزائر العاصمة المركزية، أين تحصل على شهادة الليسانس في العلوم السياسية سنة 1970م. أما الثورة الجزائرية فقد عاشها في طفولته، لذا تحدث عنها بقدر ذاكرة الأطفال التي اختزنت ما كان يراه ويعيشه كطفل، أمّا مساره المهني فقد قضى معظمه في مجلس المحاسبة.
كان السيد بلقاسم عَشِيتْ، يتابع باهتمام نشاطي العلمي المنصبّ حول “التاريخ الثقافي لمنطقة القبائل”، ثم شاء القدر أن تبدأ العلاقة بيننا بفضل الصداقة التي جمعت ولدي عادل مع ابنه محمد أمزيان، ثم حدث أن التقينا بالصدفة في عرس صديقنا المشترك بوعلام كولاي، فتجاذبنا أطراف الحديث على مائدة العشاء، تركّز حول التاريخ الثقافي لمنطقة الزواوة (القبائل)، وذكر في سياق الحديث مشروع كتابه الذي كان في طريقه إلى الطبع، ووعدني بنسخة منه، وبادلته الوعد بقراءته قراءة متأنّية تتوّج بمقال يمكّن الجمهور العريض من الإلمام بمحتوى الكتاب. وفعلا أبرّ بوعده، وها أنا أوفي بوعدي بكلّ اطمئنان، لِما ينضح به الكتاب من معارف جديرة بالتنويه.

أهمية الذاكرة الجمعية في تخزين الثقافة

اعتمد المؤلف في جمع مادته العلمية على الذاكرة الجمعية بالدرجة الأولى، وهذا ليس عيبا كما يبدو للبعض، لأن ثقافة منطقة القبائل (الزواوة) هي ثقافة شفوية بامتياز يتوارثها الأبناء عن الأجداد بالمشافهة، ولعل أفضل مثال على ذلك القوانين العرفية المؤطرة للمجتمع القروي، العابرة للأجيال بفضل ذاكرة الشيوخ. ثم ألم يعتمد الكتاب الفرنسيون الرواد على الذاكرة الجمعية في كل ما كتبوه عن القبائل؟، هذا ولا شك أن استنطاق ذاكرة الكبار قد تطلب من المؤلف جهودا مضنية استغرقت شهورا وربّما سنوات عديدة. وبالإضافة إلى ذلكو فقد وظف المؤلف ثقافته العامة وما قرأه من مصادر تاريخية فرنسية لها صلة بالموضوع (هانوتو، وإميل كاري، وشارل روبير أجيرون…) في تحرير هذا الكتاب.

أهمية الكتاب
بالإضافة إلى زخم المعارف الواردة في الكتاب حول عادات وتقاليد المجتمع القروي في آث يني (من الزمن القديم إلى عهد ثورة نوفمبر 1954م التحريرية)، فقد نجح المؤلف بلقاسم عَشِيتْ في تجاوز “الصّورة النمطية” المرسومة لمنطقة آث يني، والمتمثلة في كونها “نتاج” مدرسة الآباء البيض التي أنجبت النخبة المفرنسة. لذا، فإن جهوده الرائدة في تصحيح هذه الصورة المشوّهة، هي جديرة بالتنويه، فقد غاص المؤلف في ماضي المنطقة عبر الذاكرة الجمعية، مزيلا الغبار الكثيف عن المكوّن الإسلامي في تاريخ آث يني، خاصة من خلال إشارته إلى شخصية دينية مهمة “سيدي علي اُويحي”، الذي كان مجيئه إلى المنطقة بردا وسلاما وعافية لساكنة المنطقة، وكذا من خلال إشارته إلى وجود التعليم التقليدي في أوساط المرابطين الأشراف، وتمكّن بفضله أبناء المنطقة من حفظ ما تيسّر من القرن الكريم.
كما أشار المؤلف من جهة أخرى إلى دور ساكنة آث يني البارز خلال الفترة العثمانية، لما اشتهروا به من صناعة الأسلحة والحلي والعملة المزيفة، وهو الأمر الذي كان يثير قلق حكام إيالة الجزائر. ونظرا لعجز الأتراك العثمانيين عن اختراق منطقة آث يني المحصّنة بجبال جرجرة، فقد فضّل دايات الجزائر “مغازلة” سكانها قصد كسب ودّهم، فحاولوا التقرب منهم من خلال بناء مسجد والتكفل بصيانته بقرية ثاوريرث ميمون، التي برز فيها الشيخ سيدي الموهوب وَعْلِي نجل الشيخ سيدي علي اُويحي، وأيضا من خلال تقديم عرضٍ مغرٍ لهم يقضي بنزولهم إلى سهول خصبة حسب رواية الضابط الفرنسي أدولف هانوتو المتخصص في دراسة المجتمع الزاووي، لكن أهل آث يني المُدركين لمغزى العرض وسوء نية أصحابه، علّقوا عليه بسخرية قائلين بأنهم مستعدون للنزول من الجبال، شريطة أن يتكفل الدايات بنقل جبال جرجرة – التي ألفوا العيش فيها- إلى السهول المقترحة!.

أصول السكان لغز مُستعصٍ!

اكتف المؤلف بطرح تساؤلات وفرضيات عن أصول السكان، دون أن يتوصل إلى الإجابة الشافية، بالنظر إلى طبيعة التضاريس الجغرافية الوعرة التي تميّز منطقة آث يني، فمن المرجّح أن سكانها وافدون إلى هذه المنطقة الجبلية الفقيرة، هروبا من بطش الحكام وطلبا للحرية في أعماق جبال جرجرة. ولعل ما يرجّح هذه الفرضية تميّز قرى آث يني بعمرانها الراقي الذي جعلها في مستوى المدن، وبحذق أهلها لصناعات عديدة، كصناعة الأسلحة والحلي والعملة المزيّفة، وذكر في هذا السياق الضابط الفرنسي كاريت الذي زار المنطقة ما بين 1840 -1842م، أن قرى آث يني كانت تحتوي على عدة ورشات صناعية، لخصها في الأرقام التالية: قرية آث لحسن: حوالي 60 ورشة صناعية/ قرية آث لربعا: حوالي 30 ورشة صناعية/ قرية ثاوريرث ميمون: حوالي 13 ورشة صناعية. ولا شك أن هذا الازدهار الصناعي، ناجم عن تجربة وخبرة جاء بها الوافدون من المدن التي هاجروا منها. فهل صحيح أن اليهود هم الذين أدخلوا هذه الصناعات إلى آث يني، كما أشار الكاتب الفرنسيJean Morizot في كتابه الموسوم L′Algérie Kabylisée ؟.
تساءل المؤلف في سياق محاولة فكّ لغز أصول السكان، عن هوية اسم “ميمون” الذي أشتقت منه قرية آث ميمون (أولاد ميمون أو بنو ميمون)، هل هو ذلك اليهودي الذي تمكن من مداواة وباء الطاعون في المنطقة كما ورد في الأسطورة المحفوظة في الذاكرة الجمعية؟، كما تساءل المؤلف أيضا عن أصل تسمية منبع ماء باسم يوغرطة (ثالا ڤيڤورثن)، هل الأمر مجرد صدفة أم له علاقة بشخصية يوغرطة التاريخية ذلك الملك الثائر الذي حارب الرومان؟، وتساءل المؤلف أيضا عن مدلول التسمية “آث يني”؟، أسئلة كثيرة حول أصول السكان ظلت عالقة بدون جواب.

معالم الحضارة الإسلامية في آث يني

نفض المؤلف غبار النسيان عن مظاهر الحضارة الإسلامية في ث يني، المتمثّلة بالدرجة الأولى في التعليم التقليدي الذي ارتبط وجوده بفئة المرابطين الأشراف منذ قدومهم إلى المنطقة في القرن 12م. هذا، ولم يستبعد المؤلف حلول بعض العائلات الأندلسية بالمنطقة، حاملة معها معارفها العلمية وخبرتها المهنية، مستندا في ذلك على تسمية “آث وندلوس”(التي تعني أهل الأندلس) الموجودة في قرية آث لحسن. ولعل ذلك ما يفسّر وجود العديد من الكتاتيب القرآنية التي مكّنت الأطفال في العديد من القرى من حفظ ما تيسّر من القرآن بدرجات متفاوتة، ففي قرية آث لحسن اشتهر أحفاد سيدي العابد بتعاطي العلم بلغت شهرتهم إلى تونس التي استقر بها بعضهم. أما في قرية ثاوريرث الحجاج فقد أسّس آث الصديق وآث سيدي سليمان – وهم أحفاد الولي الصالح سيدي بلفاضل- بعض الكتاتيب القرآنية. أما في قرية ثيڤزيرث، فقد أسّس أبناء عائلة آث سيدي أعمر كُتّابا قرآنيا، في حين تأسس الكُتّاب في قرية آث لربعا على يد عائلة آث سي محند الصغير. أما المدارس القرآنية (ثيمعمرين)، فقد تأسست في كل من قرية ثانساوث، وفي قرية آث ميمون حيث مقرّ عائلة سيدي علي اُويحي الشريفة. هذا، ولم يقتصر دور هذه المؤسسات التعليمية على تحفيظ القرآن للأطفال فقط، بل تخرّج منها علماء زاولوا دراساتهم العليا في جامع الزيتونة بتونس وجامع القرويين بالمغرب الأقصى وجامع الأزهر بالقاهرة. وأكثر من ذلك أشار المؤلف إلى أن هذا التعليم التقليدي، مكّن أيضا بعض السكان من كتابة لسانهم الأمازيغي بالأبجدية العربية بغرض التواصل مع الأباعد. ومن الصّور الأخرى التي تمظهرت فيها الحضارة الإسلامية، الاحتفاء بقدوم شهر رمضان، وكان – مثلا- من عادة آث يني أنهم يكلفون شخصا يقوم بمهمة إيقاظ الناس وقت السحور.
ومن جهة أخرى، أشار المؤلف إلى الرابطة الحضارية القويّة بين أهل آث يني والعالم الإسلامي، ذاكرا أمثلة عديدة، منها هجرة علماء آث يني إلى الشام في النصف الثاني من القرن 19م هروبا من جحيم الاستعمار الفرنسي. واعتمد المؤلف في هذه النقطة على ما كتبه السيد كمال بوشامة حول علماء آث يني المستقرين بالشام، ذاكرا منهم الهاشمي الينيوي، أحمد جودت الينيوي، السعيد الينيوي. ومن تجليات هذه الرابطة أيضا، تعاطف أهل آث يني مع الأتراك العثمانيين بعد الغزو الفرنسي للجزائر، يتجلى ذلك بوضوح – حسب المؤلف- من خلال الحكمة الشعبية القائلة:”إيمِي يُورَا فَـلّي الحِيفْ اُوبَرَّانِي، مَنْيَافْ ثَـشَاشِيثْ اُوتَرْكِي، وَلاَ ثَـبَرْذَا اُورُومِي”، أي ما دامت هيمنة الأجنبي هي قدري، فأنا أفضّل شاشية التركي على بردعة الرومي.

التعليم الفرنسي في آث يني

توهّمت فرنسا أن بلاد القبائل أكثر استعدادا للاندماج في الحضارة الفرنسية من غيرها بحكم تميّزها الثقافي والاجتماعي، لذا رسمت خطة تعليمية قضت بتركيز المدارس فيها بشكل كبير جدا، خاصة في النواحي المعروفة بمقاومتها الشّرسة للفرنسيين. وأدرجت فرنسا منطقة آث يني كركيزة من ركائز مشروعها التعليمي، فتم فتح مدرسة للآباء البيض في سبعينيات القرن 19م، تلاها فتح مدرسة عمومية سنة 1882م. ومن الطبيعي أن يسفر هذا التركيز التعليمي عن تخريج نخبة من المتعلمين، تم توظيف بعضهم في الوظيفة العمومية خاصة في البريد وشركة المواصلات في العاصمة، وشكل هؤلاء المتعلمون الأغلبية في صفوف طلبة دار المعلمين ببوزريعة (بالعاصمة) منذ أواخر القرن 19م. وذكر المؤلف من المعلمين الرواد المنتمين إلى دوار آث يني، السادة: بلحمر، بودرياس، بوشاك، نارون إبعزيزن. كما ذكر المؤلف ضمن هذه النخبة المتعلمة اسماعيل محروق(وزير المالية في عهد الرئيس هواري بومدين).
هذا، ورغم الإمكانات الكبيرة التي وظفتها المدارس الفرنسية بقسميها (مدرسة آباء البيض والمدرسة العمومية) من أجل سلخ سكان آث يني عن هويتهم الجزائرية، فقد مُنيت سياسة الفرنسة والتنصير بهزيمة كبرى حسب المؤلف، مشيرا في هذا السياق إلى أن عدد المُنَصَّرين والمقتنعين بالاندماج في الحضارة الفرنسية يعدّون على أطراف الأصابع، ذاكرا من المنصّرين إسماعيل محروق، ومن المقتنعين بالاندماج في الحضارة الفرنسية بلقاسم إبعزيزن الذي أضاف إلى اسمه الأصلي “أوڤيستان”، ثم بدرجة أقلّ السيد أعمر نارون.
تعرضت التنظيمات الاجتماعية المحلية للدمار على أيادي الفرنسيين المحتلين، وعوّضوها بتنظيمات جديدة مقتبسة عن عهد الأتراك العثمانيين (القايد/ الباشاغا)، حصروا مهامها في مراقبة الأهالي. وأمام إصرار سلطات الاحتلال الفرنسي على تعيين “قايد” في آث يني اجتمع عقلاؤها للنظر في الأمر، وعلى إثر ذلك خرجوا بموقف يقضي بعرض هذا المنصب الجديد على السيد محند أعراب آث معمر (عائلة معمري)، خوفا من إسناده إلى شخص غريب قد يذيقهم الأمرّين!، فقبله المعني مرغما، وكان ذلك سنة 1868م. وظل أبناء هذه العائلة يتوارثون هذا المنصب إلى غاية إلغائه سنة 1947م، حين تأسيس المجلس البلدي لآث يني، وقد نجح هؤلاء في جعل هذا المنصب في خدمة سكان دوار آث يني.

النزعة التحررية الوطنية في آث يني

إن ما تجدر الإشارة إليه أن معظم الأسلحة التي قاوم بها سكان جرجرة الاستعمار الفرنسي منذ نزوله بشبه جزيرة سيدي فرج، هي أسلحة مصنوعة في آث يني، لذلك أدرج الفرنسيون احتلالها ضمن أهدافهم الإستراتيجية لخنق المقاومة الشعبية. وجاءت في هذا السياق حملة الماريشال راندو، في ربيع سنة1857م، جنّد فيها الفرنسيون حوالي 35 ألف جندي مؤطّرين بصفوة الضباط القادمين من وهران وقسنطينة ومدينة الجزائر. وكانت نتيجة هذه الحملة وخيمة على منطقة القبائل، رغم تفاني الأهالي في الدفاع عن أرضهم ببطولة نادرة، شاركت فيها المرأة بقوّة. ولعل ما يؤكد إصرارهم على الصمود، ظهور “المسبّلين” الذين كانوا لا يتراجعون أمام الجيوش الفرنسية، مفضلين الشهادة على أن يروا المحتل قد تمكّن من أرضهم، ومن أشرس معاركهم معركة إشريظن التي اعترف الفرنسيون بضراوتها فأقام لها نصبا تذكاريا!.
هذا، وقد دفعت منطقة آث يني الثمن غاليا، إذ تعرضت قراها للدمار والتخريب حتى صارت أثرا بعد عين. لكن الدمار الأكبر تمثل في تحطيم التنظيمات الاجتماعية العرفية (خاصة نظام ثاجماعث) فتحوّلت بفعل الضغط الفرنسي إلى مجرد آلية تابعة للإدارة الفرنسية وتخدم مصالح الاستعمار، وتم فرض الحالة المدنية على السكان بهدف تمزيق التماسك القبلي القويّ.
رغم الهزيمة العسكرية، فإن معنويات سكان آث يني لم تنكسر، فقد برز دورهم بقوة في مرحلة الكفاح السياسي عقب الحرب العالمية الأولى. ورغم خسائر الجزائريين المجنّدين في حروب فرنسا قسرا، فقد اكتسبوا خلالها وعيا سياسيا تحرّريا، فأدركوا أنهم لا يقلون شجاعة عن الفرنسيين. أضف إلى ذلك المهاجرين الذين حلوا بفرنسا بحثا عن لقمة العيش. كل ذلك ساهم في نشر الوعي السياسي، فاحتضن هؤلاء المجندون وهؤلاء المهاجرون أفكار حزب نجم شمال، ثم نقلوها إلى قراهم بآث يني لاحقا، ثم توسع هذا الوعي السياسي التحرري بتجنيد الشباب في الحرب العالمية الثانية. وساعد هذا الجو على استقبال رواد الحركة الوطنية، خاصة مصالي الحاج رئيس حزب الشعب الذي كان يتمتع بسمعة طيبة في الأوساط الشعبية، في حين كان فرحات عباس يتمتع بسمعة طيبة في أوساط المثقفين، علما أن الزعيمين قد زارا منطقة آث يني سنة 1947م، فضلا عن قدوم قادة الحركة الوطنية المحليين إليها(عمر اُوصديق/ علي لعيماش/ السعيد اُوبوزار…). وكان هذا النشاط السياسي الوطنيّ المتنوع الذي عمّ قرى آث يني، بمثابة تمهيد لثورة نوفمبر 1954م، التي لم تجد صعوبة في الانتشار بين السكان.
هذا، وقد خصّص المؤلف الفصل الثاني من الكتاب لثورة نوفمبر، التي ساهم ساكنة آث يني في صناعة فصول من ملحمتها، معتمدا في ذكر أهوالها على ما اختزن في ذاكرته من ذكريات طفولته وهو طالب في الإكمالية. ومن الصّور المرعبة التي علِقت بذاكرته، مشاهدته في طريق العودة من المدرسة جثماني شهيدين ألقى بهما الجيش الفرنسي هناك لترهيب السكان. وأشار المؤلف أيضا إلى حملات التفتيش التي كانت تطال حتى تلاميذ الإكمالية، كما أشار إلى ظاهرة التعذيب التي طالت المدنيين، وإلى حادثة اختطاف جيش التحرير الوطني لمعلمين فرنسيين أثناء عودتهما من مدينة تيزي وزو، مشيرا إلى موقف أمّ أحدهما التي أرسلت رسالة إلى مدير المدرسة بعد أن بلغها خبر الاعتقال، أدانت فيها الحرب بقولها:”لم يُقتل ولدي ورفيقُه من طرف الأفلان، إنما قتلتهما الحرب!”.

عالم المرأة

جاء ذكر عالم المرأة في الكتاب عَرَضيا في فصول عدّة، وكان من الأنسب أن يخصّص لها فصلا منفردا، باعتبارها حجر الزاوية في تدبير شؤون الأسرة بحكمة، فالمرأة هي خزانة الثقافة الأمازيغية الموسومة بالشفوية، تحفظ الحكم والأقوال المأثورة والأشعار، وتعبّر بها عن عالمها الخاص عالم المعاناة والعواطف الجياشة، ذلك العالم المقموع بقوة التقاليد والعادات التي لا تسمح بالبوح، وأكثر من ذلك وظّفت المرأة موهبتها الشعرية في توصيف الثورات والانتفاضات الشعبية التي قاوم بها الشعب الاستعمار الفرنسي، وقد حفظت الذاكرة الجمعية بعض هذه الأشعار لكن دون الإشارة إلى أسماء المُبدِعات.
أشار المؤلف إشارة خفيفة إلى إسهامات المرأة “الينّيوية” في الدفاع عن الأرض منذ حملة 1857م التي قادها الماريشال راندو لإخضاع منطقة جرجرة قلب القبائل الصامد. تحدّث المؤلف أيضا عن كفاءة المرأة في تسيير المدّخرات الغذائية (العولة) بحكامة نادرة تحسّبا للأيام العجاف، وعن تدريب الأمهات لبناتهنّ على تحمل شظف العيش بعد الزواج الذي قد يلقي بهنّ إلى أحضان أسر فقيرة، وعلى تحمّل مظالم الحماة التي قد تتعرض لها. تحدّث المؤلف أيضا عن أحد أفراد عائلة المرابطين الشرفاء في قرية آث ميمون، الذي قرّر الرحيل إلى مدينة الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية من أجل تعليم بناته، لأن تقاليد القرية تمنع تعليمهنّ.
وتحدث المؤلف بشيء من التفصيل عن فضل الثورة في تحرر المرأة في آث يني من الهيمنة الذكورية ومن التقاليد الجامدة، إذ شاركت فيها بالنفس والنفيس، ذاكرا كمثال على ذلك اعتقال مجموعة من النّسوة في شهر أفريل 1961م وتعرُّضهنّ للتعذيب، ومنهنّ السيدة نوارة التي لم تنس ذاكرتها أبدا ما تعرّضت له من التعذيب الوحشي، الذي ظلت تحمل آثاره على جسدها طيلة الحياة، وكان ذلك مصدرا لعذاب نفسيّ لازمها مدي الحياة كانت ترافقه بفيضان دموعها.
ذلكم هو مخلص الكتاب الذي أبان فيه المؤلف ثقافته العميقة، وتفكيره الضارب في أغوار العادات والتقاليد المعبّرة عن الذات الثقافية. ونظرا لأهميته العلمية، فإنني أرجو أن يترجم إلى اللغة العربية في أقرب الآجال، وهذا من أجل تعميم الفائدة العلمية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق