أراءمساهمات

كلب الجنرال.. المقال الذي أرعب خالد نزار

Les chiens changent de maître et non pas de servitude. Paul jean Toulet
في شوارع ح… الهادئة تهيم كلاب الجنرالات نهارا على وجوهها. وفي الليل تطارد الأشباح في الفيلات الفاخرة، وتنبح بلا سبب، فكل كلب ببابه نبّاح، كما يقول المثل. فإذا قادتك الصدف إلى ح… وعضّك كلب جنرال، فإن الذنب ليس ذنب الجنرال، ولا هو ذنب كلبه. وإنما ذنبك لأن الصدف قادتك إلى ح… وإذا قادتك الصدف إلى ح… فقد يحدث لك ما حدث لبطل قصة “الحرباء” لأنطوان تشيخوف(1884) التي سأرويها لك بتصرف ليكون لك فيها عبرة وموعظة.
في ساحة ح… سُمع زعيق كلب، ينتبه المُخبر السري فيرى مواطنا مسكينا يطارد كلبا، يسقط المواطن أرضا، لكنه ينجح في إمساك الكلب من قائمته الخلفية. يسمع زعيق الكلب مرّة أخرى يليه صراخ: “أمسكتك أيها الكلب بن الكلب”، يتحلق الناس حول الرجل الماسك بقائمة الكلب، ثم يتدخل المخبر السري: “لماذا هذه الفوضى؟” يشرح المواطن المسكين للمخبر السري: “كنت أمشي وفجأة هاجمني هذا الكلب الحقير السافل وعضني في أصبعي… في سبابتي التي أشهد بها أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله”. يقول المخبر السري مفاخرا مهدّدا: ” لمن هذا الكلب، لن أترك الأمر هكذا بدون عقاب، سأريهم كيف يتركونك كلابهم الحقيرة تهيم على وجوهها نهارًا، سأغرّم صاحبه ليعرف معنى الكلاب الضالّة”..التفت المخبر السري إلى مساعده وقال بنبرة آمرة :”يجب التعرف على صاحبه لتغريمه ..أما الكلب فيجب إعدامه حالا، لعله مسعور.. لمن هذا الكلب؟”.
صوت من الجمهور: يبدو انه كلب الجنرال المتقاعد..
جزع المخبر السرّي، لكن عقله أخفى جزعه، فاستدرك مخاطبا المواطن المسكين: “لا أفهم كيف يمكن لهذا الكلب أن يعضك ؟ كيف وصل إلى أصبعك؟ هو جرو مسكين، وأنت طويل القامة، ربما جرحك مسمار أو بترت إصبعك عمدا وجئت تتطاول على كلاب أسيادك، أنت مواطن مسكين، وأنا أعرفكم أنتم المواطنون المساكين، كلكم أدعياء”..
يرتفع صوت من الجمهور: هذا ليس كلب الجنرال..كلاب الجنرالات رشيقة أنيقة مدللة..طيبة السلالة، كريمة الأصل، ليست كهذا الكلب الأجرب الأشعث الأغبر القبيح…
يرتفع صوت آخر من الجمهور: هل يُعقل أن يربي الجنرال مثل هذه السفالة والرذالة والخساسة والدناءة.
صوت آخر من الجمهور: كيف لهذا الكلب أن يصول ويجول في الشارع ح… الهادئة ؟
صوت آخر من الجمهور: ربما هو فعلا للجنرال..
صوت ثان من الجمهور: هو فعلا كلب الجنرال..
المُخبر السري في هذه الحال نأخذه إلى بيت الجنرال، ونسأله إن كان هو صاحبه، ونقول له أننا وجدناه ضالا شاردا…
يبدو حقا غالي الثمن..أنظروا إنه مخلوق رقيق حنون. أما أنت أيها الثرثار فأصبعك هذه مشكوك في أمرها، ربما جرحك مسمار أو بترتها عمدا، أنت المذنب.
في هذه اللحظة يمرّ طباخ الجنرال يناديه المخبر السري ويسأله: “هل هذا كلب الجنرال؟”
الطباخ: مثل هذه الكلاب لا يربيها حضرة الجنرال..
المخبر السرّي: انتهى الأمر، الكلب إذن ضال متشرد ويجب إعدامه.
يواصل الطباخ: الكلب ليس كلب الجنرال، وإنما كلب شقيق الجنرال، شقيق الجنرال يهوى الصيد، ويربي مثل هذه الكلاب.
يجزع المخبر السرّي، لكن عقله يخفي جزعه، يلتفت إلى المواطن المسكين صارخا: “أغرب عن وجهي تقوم ببتر أصبعك، وتتطاول على كلاب أسيادك الطيبة السلالة الكريمة الأصل”.
والعبرة من هذه القصة هي إذا عضك كلب جنرال، فإن الذنب ليس ذنب الجنرال ولا هو ذنب كلبه، إنما الذنب ذنبك أنت، لأن الصدفة قادتك إلى كلب الجنرال.

عبد العزيز بوباكير

مقالات ذات صلة

إغلاق