أراء

ارزقي فراد يكتب .. وقفة مع مفهوم “الأقليّة” !

 

محند أرزقي فراد
طلب منّي بعض الإخوة توقيع بيان سياسيّ أعدّوه، وهو ينسجم في مجمله مع طبيعة المرحلة الراهنة المتميزة بالتدافع من أجل التحوّل نحو نظام سياسيّ جديد يستجيب لانشغالات جماهير الحراك التواقة نحو غد أفضل. وقد أعجبني البيان وعبّرت للإخوان عن موافقتي على الانضمام إلى المبادرة، لكن بشرط أن يُحذف مفهوم لم أستسغه ورد في النص«الأقلية». وكنت أعتقد أن اقتراحي سيحظى بالقبول، خاصة وأن هؤلاء الإخوة لم يستشيروني في صياغة البيان. لكن كم كانت دهشتي كبيرة لمّا قوبل اقتراحي بالرفض بحجة أن هذا المفهوم يشكل مفتاحا في البيان لا يمكن التخلي عنه! من هنا جاءت فكرة كتابة مقال عن مفهوم الأقلية الذي يسير في اتجاه معاكس لمفهوم «المواطنة».
أنا لا أستسيغ مصطلح «الأقليّة»، الغريب عن الثقافة الديمقراطية، وهو بذرة مستوردة لا يجب استنباتها في أرضنا المعطاء، لأن مفعولها سيكون شبيها بمفعول العشب الطفيلي الذي يأكل حقول السنابل الملأى.وقد ذكّرني هذا المفهوم بالدراسات الأنتروبولجية الاستعمارية التي أشاعت أن الجزائريين لا يشكلون أمة، بل هم مجموعة من القبائل والأعراش والقرى المتناحرة. وعليه فإن الحديث عن هذا المفهوم، هو تكريس لهذه القراءة الاستعمارية المغرضة ولو عن غير قصد. هذا ومن المحتمل أن يوظَّف هذا المفهوم مستقبلا توظيفا سياسيا يؤدي دور حصان طروادة، تنفذ منه مطامع غربية كإسفين يحدث التصدع في الجدار الوطني المرصوص، بحجة حماية الأقليات.
لم أشعر طيلة حياتي أنّني أنتمي إلى «أقليّة»، فليس هناك ما يفصلني عن بقية الجزائريين، لأن القواسم المشتركة التي تربطني بهم أقوى من العادات والتقاليد التي تميّزني عنهم. لقد نشأتُ في محيط أمازيغي يجمع بين الأمازيغية كلغة الأمومة، وبين العربية كلغة تعليم ودراسة في الكُتّاب والمعمرة(الزاوية)، وهذه الحالة ليست حكرا على محيطي الضيق، بل هي موجودة في طول البلاد وعرضها(التنوع اللغوي). لقد انتشر أهل منطقتي في كل ربوع الجزائر طلبا للرزق واستقبلوا بالأحضان أينما حلّوا، وتساكنوا وتصاهروا مع ساكنة المناطق التي حلوا بها، فهل بعد الانصهار يمكن استنبات مصطلح «الأقليّة» في جزائر الشهداء، ونحن في خضم التحول نحو جمهورية جديدة ديمقراطية متسامحة؟
لذا فأنا أفضل مفهوم «المواطنة» وهو من آليات الديمقراطية الجامعة، الذي يتجاوز حواجز العرق والدين والقبيلة والجهوية، ويحترم جميع المواطنين الذين توحّدهم الحقوق والواجبات إزاء الدولة التي يتفانون في خدمتها، فكلّ المواطنين في ظله سواسية كأسنان المشط، وشركاء في المغنم والمغرم. وينسجم مفهوم المواطنة أيضا مع قاعدة:«إن أكرمكم عند الله اتقاكم» التي أوصانا بها الإسلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق