أراء

عِنْدَمَا كَانَ لِـلْـعِيدِ هِلَالَانْ

هذه قصّةٌ واقعيّةٌ، حَدَثَتْ في منتصف الثّمانينات، في أسرة كان فيها أَخَوَان يَدْرُسَانِ في الـجامعة، أحدهـما مُتديِّن (خوانـجي) والثاني يساري (شيوعي) حسب التعبير الشّائع يومذاك، حكاها لي أحد الأصدقاء قائلاً: حدّثني (الــمُتَدَيِّنُ) قائلاً: عُدْنا من الـجامعة مع نـهاية شهر رمضان،  كانت أمي تقضي العشر الأواخر كُلَّها في تـحضير حلوى العيد، وكانت تضعها في غرفة جانبيّة تغلقها بإحكام حتى لا تتسلّل إليها أيادي الأطفال، وأضاف: كانت الـجزائر قد تَأَخَّرتْ في بداية رمضان عن الصّوم على بقيّة الدّول الاسلاميّة، لأنّ لـجنة الأهلّة لم تر الـهلال، بينـما صامتْ بقيّةُ الدّول العربيَّةُ قَـبْلَنَا، قال: فَدَفَعَنا حـماسُنا للتّديّن، أنا وبعض أصدقائي، أن نـجتهد فِقْهِيّا، ونصوم مع بقيّة الدّول التي رأتْ الـهلال، خلافاً لـعموم الشّعب الـجزائريّ، مُستندين على فتوى تقول أنّه إذا تـَمَّتْ رُؤيَةُ الـهلال في بلدٍ من البلدان الاسلاميّة، يُفَضَّلُ لبقيّة الأقطار أن تصوم، حفاظاً على صورة الأمّة الـمُوَحَّدَةِ.. قال الرّاوي: فلَمّا وصل العيد، أفطَرتْ بقيّةُ الدّوَل العربيّة قبل الـجزائر بِيَومٍ، فأفطرنا نـحْنُ كذلك، غير أنّني لـم أكن أستطيع أن أُجَاهِرَ بذلك أمام أفراد العائلة، ولـم أجد شيئاً آكُلُه.. قال: فتسلّلتُ أثناء النّهار إلى غرفةِ أمّي الـمليئة بالـحلوى، فأصبْتُ منها ما كتبَ الله لي، غير أنّني وجدتُـها أَبْعَدَتْ أحسن أنواع الحلوى – مثل البَقْلاوة التي أُحِبُّهَا كثيرا- إلى آخر الغرفة، وأَدْخَلَتْهَا بعيداً تحت سريرٍ هناك، قال الراوي: فَغَلَبَـتْنِي شهوتي، ودخلتُ تـحت السرير، وبينما أنا هناك أقضي وَطَرِي من البَقْلاوة، إذا بأخي (اليساري) يفاجئني: ويبدأ في الصيّاح، حتى اجتمعتْ عَلَيَّ العائلةُ كلُّها، وهُوَ يعنِّفني ويقول لي: “ما تـَحْشَمْشْ تاكل رمضان!.. ثـمّ يضيف: “والله ما صُمْتْ فيه نـهار واحد.. تَلْعبْ فيها مُتديِّن” قال الرّاوي: وكنت مضطرباً من هول الـمشهد، وأقول له: ” لا، والله غير فْطَرْتْ اليوم برك”..  ولكنَّ موقف أخي يومها كان كموقف “العـجوز اللي حَكْمَتْ سارق” كما يقول الـمثل الشَّعبي، ولذلك لـمْ يُـحاوِل أن يفهَم موقفي أو يـترك الأمرَ بيني وبينه، ولم يَتْرُكْ لي أَيَّـةَ فرصةٍ لتوضيح موقفي أمام أفراد العائلة، لأنّ هدفَهُ كان التّشهيرَ بي بسبب اختلافاتنا الايديولوجية.. ثم أضاف: ولكنّ الذي دَوَّخَ كُلَّ العقول، وكاد أن يُـجَـنِّنَ أُمِّي بسبب عدم استيعابـها للموقف، هو أن يَـنْـتَهِكَ “الـخوانـجي” حُرمةَ رمضان، بينما يُدَافِعُ “الشُّـيُوعيُّ” عن الدّين بِشَرَاسَةٍ وحَـمَاسٍ وحَـمِيَّة!..

عودٌ على بدء: إذا كان عندنا في الثمانينات “الـخوانـجيّة” و “الشّيوعيّون” فقط، وكان الاختلاف على أساس وجهات النّظر في طريقة التّديّن، فقد اتّسع الـخَرقُ اليوم، وأصبح الاستقطابُ  على أسس كثيرة، جهويّة وعرقيّة وفئويّة وتاريـخيّة وسيّاسيّة وايديولوجية وغيرها.. ويبقى أن نشير إلى أنّ الاختلافَ ليس خطراً على أحد.. ولكنّ الـخَطَرَ العظيمَ على الـجميعِ، يكمنُ في التّعصّب والتّخوين والاقصاء والـمبالغة في التّشهير، ورفض الـحوار، والدعوة إلى الفتنة والفرقة الـمؤدّية إلى الاستقطاب الـمَرَضِيِّ الـحَادّ..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق