أراءمساهمات

مولود حمروش نموذجاً (مساهمة )

بقلم/ الأستاذ محمد بوخطة

من أجل العبور من رئيس يصنعه الجيش إلى رئيس ينتخبه الشعب لا مناص من المرور برئيس يرضاه الشعب ولا يرفضه الجيش.
بداية لابد أن أعترف أن الحماسة للأفكار لا للأشخاص ولكن الطبيعة الإجتماعية والسياسية في عالمنا العربي لم تصل بعد
إلى الفصل بينهما وإلى أن يحدث ذلك فقيمة الأفكار عندنا في أشخاصها ، هو معطى لا ينبغي إهماله ونحن نبني الحلول ونقترح المخارج،من هذا المنطلق شعرت أن تناغما ما يبدو بين الثلاثة يمكن أن يبلور مقاربة لحل يستجيب بعمق لمطالب فخامة الشعب أو على الأقل يحدث اختراقا في حالة الإنسداد التي لا تبشر بخير ..
المقال الذي نشره السيد مولود حمروش في جريدة وطنية يوم 4 ماي وإن كان الرجل يكتب باستراتيجية تَخَفِّي تجعل المقال متاهة تحفِّز القارئ على اكتشاف المخرج منها.. غير أن محتوى مقاله يصلح أرضية لبلورة برنامج سياسي يتبناه الحراك ليحقق من خلاله مطالبه العميقة.
ـ ينبه السيد حمروش إلى أن الحراك الذي حرر الجميع لا يليق به أن يصبح عامل انسداد تضيق به الأفاق وتوصد بسبه منافذ الحلول الممكنة ليحقق ذاته وهذه إشارة إلى حالة الرفض وبارانويا التشكيك التي يكرسها الإعلام وتستغلها بعض الجهات للدفع نحو فوضى ممنهجة قد تؤطرها هذه الجهات بوسائلها الخفية، هذا الطرح لا يبتعد كثيرا عن حديث قائد الأركان عن الرافضين لتثمين ما تحقق والمعترضين على كل المبادرات وحديث رئيس الدولة عن المتربص الخارجي وامتداداته في الداخل ..
ـ يعتبر السيد حمروش ـ وهو محق ـ بأنه من السذاجة الإعتقاد بأن تغيير الأشخاص لوحده يمكن أن يكون ضمانة لتحقيق الحكم الجيد والعدل المنزه، وهو انتقاد هادئ وبيداغوجي للتركيز على الباءات والجيمات .. والعزوف عن تقديم مقاربات جادة تبعث على الإنفراج وتضع مطالب الحراك على سكة التحقيق تستمد شرعيتها ومشروعيتها من هذا الحراك ، وهو طرح يتماهى مع حديث قائد الأركان في خطابه قبل الأخير عن الإنفتاح على المبادرات..
ـ يؤكد السيد حمروش على أن حيوية الحراك واستمراره في سلمية وتجند ضروري لتحقيق النتائج شرط ألا يؤدي إلى انسدادات جديدة أو يدفع إلى مهالك يصعب تجنبها ، مثل ذلك لا يبدو قايد صالح منزعجا من الحراك بل ويتكفل صراحة بتأمينه والمحافظة عليه، بل لعل حيوية الحراك ستطلق يده أكثر استمرارا في تنفيذ خطة محاربة الفاسدين وما يرافقها من تفاصيل.. ذات الأمر يتناوله بن صالح في خطابه حين يطمئن الحراك ويثمِّن الحملة على الفساد ومردودها على الاقتصاد وبالتالي على المواطن.
ـ مناقشة السيد حمروش لمقاربة الحل تكشف أمرين غاية في الأهمية :
الأول : إن تكرار مقاربة 1992 حرمها الحراك بمعنى أن الشعب أعلن رفضه لتراكمات الحكم مدة 30 سنة على الأقل والناتج عن معالجة النزاعات السياسية خارج إطار الدستور.
الثاني : بعد أن يطرح السؤال عن معنى وإمكانية الحل الدستوري ثم يحاصر مقاربة المرحلة الإنتقالية بجملة من الإسئلة لا تكاد تكون لها إجابة منبها إلى الصعوبات التي ستعترض ممارسة هيئاتها والعلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة القائمة.
وقد اعتبر قبل ذلك أن دفع مؤسسات الدولة إلى هشاشة أعمق وعدم شرعية أكبر أمر خطير مؤكدا على ضرورة “الإنضباط القانوني”، يبدو هنا متماهيا مع قيادة الجيش في رفض مقاربة “المرحلة الإنتقالية” ومختلفا معها في تصور وبناء الحل في إطار الدستور، ما يفتح بابا للنقاش داخل هذا الخيار لا خارجه مع استصحاب معنى “الإنضباط القانوني” الذي تحدث عنه.
ـ موقف السيد حمروش من رئيس الدولة يعبر عن توازن مسئول فهو أقر له بالممارسة السيادية التي تضمن استمرار الدولة ووفائها بالتزاماتها ونفى عنه الحق في ممارسة أي سلطة دستورية على المؤسسات الساسية السيادية من ذلك أنه لا يمكنه تفعيل السيادة الشعبية وفق أحكام المادتين 07 و 08 من الدستور ولا الأحزاب السياسية يمكنها ذلك، ما يعني حتما أن هذه القضايا لا تعالج إلا في ظل رئيس جمهورية منتخب.
ـ يرى السيد حمروش أن الحلول تتطلب صياغة جماعية من دون نوايا مسبقة ولا اشتراطات قبلية، هذه الجماعية لا يمكن أن تُثْمِر إلا بالحوار البناء، لا يختلف هذا الطرح في شكله عن تأكيد قيادة الجيش على ضرورة تفعيل الحوار كآلية حضارية لصناعة الحلول .. ذات الأمر يتناوله رئيس الدولة في خطابه.
ألاحظ هنا : أن ربط بعض الأطراف الحوار بالجهة التي تستقبله هو اشتراط قبلي غير مفيد خاصة عندما يربطون ذلك بالشرعية فإن نفيها عن رئيس الدولة لا يعني إثباتها لهم عندما لا يكونون نتاج صندوق الإقتراع فهم وإياه سواء، فضلا على أن لا أحد يملك تفويضا للحديث باسم الشعب كله.
كما ألاحظ أيضا أن السيد حمروش لم يعلن من موقفا من الجهة التي تدير الحوار لأن العبرة بالجهة التي تضمن الحوار وترافقه وهو موقف مرن لين..
ـ ولم يهمل الحديث عن بعض الآليات الضرورية لضمان قدر من النزاهة في أي استحقاق انتخابي لا سيما ما تعلق بالرقابة المزدوجة المتقاطعة…
ـ مناكفة ذكية للسيد حمروش لمعنى المرافقة التي تتبناها قيادة الجيش للحراك يستفز من خلالها قيادة الجيش للتعبير بأنها لا تتخذ الحراك مطية حين يتحدث عن ” ضرورة الخطاب الواضح الجلي والعملي حول التحولات العميقة التي يجب القيام بها وتجسيدها تحت العين الساهرة للحراك …. ”

خلاصة القول أن السيد حمروش ينطلق من نفس التشخيص الذي يكاد يكون محل إجماع ليؤكد أن رغبة التغيير الحقيقية لا يمكن أن يحققها استبدال الأشخاص ولكن ليركز الجهد على استخلاف الرجال بدستور حقيقي تنبثق عنه مؤسسات حقيقية تمارس سلطات الضبط والتأهيل والرقابة والتحكيم .
واضح جداً أنه يعطي الأولوية لتأسيس الشرعية التي تتكفل بتحقيق هذه النقلة النوعية نحو الدولة الديمقراطية دولة الحرية والحق كما سماها.
بناء على متابعتنا لمجريات الأحداث وتطوراتها وانطلاقا من هذه الأرضية التي قدمها المقال والتي يتقاطع فيها جميع المتدخلين ولو بدرجات متفاوتة، يمكننا أن نقدم مقاربة للحل كما يلي :
1 ـ الإتفاق على أن التغيير الحقيقي الذي يطمح إليه الشعب هو محصلة نهائية لتظافر الجهود والتضحيات والإنضباط التي يقدمها الجميع كل من موقعه وليس منطلقا ننطلق منه.
2 ـ أن هذا التغيير المنشود يكفله دستور حقيقي تنبثق عنه مؤسسات فعلية تعيد لمفهوم دولة المؤسسات مكانته اللائقة، وأن التركيز على تغيير الأشخاص وتضخيمه لا يعد ضمانة حقيقية أكثر من كونه رد فعل عاطفي مشروع لا ينبغي أن يتحول إلى عقبة أمام آليات التغيير المؤثرة.
3 ـ إن هذا التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل رئيس جمهورية منتخب من الشعب وفق عقد التزام بينه بين الشعب الذي سيوصله إلى سدة الحكم لأجل أن يحقق رغبته في التغيير.
4 ـ وعليه فإن الأولوية الآن ستكون لانتخاب رئيس جمهورية وفق هذا التصور ليفتح ورشة الإصلاحات الكبرى بعد انتخابه ضمن البرنامج السياسي للحراك الشعبي الواضح المعالم.
5 ـ تقديم التنازلات وتفعيل الحوار من أجل هذا الهدف المرحلي الذي هو انتخاب الرئيس.
ومن أجل الانتقال من رئيس يصنعه الجيش إلى رئيس ينتخبه الشعب أرى من الضروري المرور من خلال رئيس يرضى به الشعب ولا يرفضه الجيش، يعني ذلك أن اتفاق الشعب والجيش على مرشح للرئاسيات بمواصفات خاصة تلبي رغبة الشعب ولا يعترض عليها الجيش نتجاوز بها بارانويا التشكيك وهاجس التزوير، فليس هناك أي جهة تقوى على معارضة خيار هذه التوأمة أو التزوير ضدها إلا إذا استهنا بالشعب والجيش معاً.
هذه الشخصية التي تُستدعى إلى هذا الدور الذي لعبه “مانديلا” في جنوب إفريقيا أو “ديغول” في فرنسا، تختم مسارها السياسي بشرف لتضع البلد على سكة الإصلاح وتسلمه لشعبه آمنا مطمئنا، شخصية يغلب فكرُها الإصلاحي طموحَها في السلطة، شخصية يجتمع فيها التاريخ والجغرافيا،شخصية تجتمع فيها الحنكة والحكمة، والقوة والحلم، والجرأة والقرار، شخصية يجتمع فيها كثير مما تفرق في غيرها .. ليست أذكى الناس ولكن فيها بعض ذكائهم وليست أعلم الناس ولكن فيها بعض علمهم …
قد يكون السيد مولود حمروش : مجاهد،ابن شهيد، ضابط سابق،رئيس حكومة سابق، صاحب قرار، قاد إصلاحات حكومية وليست قطاعية فقط سميت باسمه ” إصلاحات حمروش” ـ لم يحصل ذلك لغيره ـ أطاح به وبمشروعه خَدَمُ فرنسا..
مثقف كاتب ومتحدث وصاحب كارزما
إن الذي قال يوماً : أنا ابن النظام ـ وليس جزء من النظام ـ أستطيع إصلاحه من الداخل، حري به أن يتصدر لهذه المهمة في هذا المنعرج التاريخي … ورحم الله المتنبي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق