أراء

نَـتْرَبَّاوْ ڤَاعْ

 

من الشِّعارات الـجميلة التي حـَمَلَتْها مسيراتُ الـحراك الشّعبي، لفتَتْ انتباهي شِعاراتٌ تـحمل بوادر تـَحَوُّلٍاجتماعي هامّ، وتَدُلُّ على أنّ لـهذا الـحَراك ما بعده، على الـمستوى النفسي والاجتماعي، فضلا عن الـمستوى السيّاسي للجزائريين، لأنـّها تُرَكِّزُ على الاستثـمار في الإنسان من أجل التنـميّة الوطنيّة.. من الأمثلة على ذلك الشِّعار التّالي الذي تضـمّنَ مُعادَلتَيْن بسيطتَيْن كما يلي:

الـحَراك الأصغر: يتنـحّاو قاع (يذهبون جميعا)، وتساوي ثورة الكرامة

الـحَراك الأكبر: نتربّاو قاع (نُربـّي أنفسنا جـميعا)، وتساوي ثورة الأخلاق.

أن تبدأ الـجماهير، بالتفكير في ثورة الأخلاق، بعد ثورة الكرامة، فذلك شيء مُهِمٌّ حقّا..فلاشكَّ أنّ التفكير في الانتقال إلى “ثورة الأخلاق”، بعد نـجاح هذا الـحراك الشّعبي،هو دليل وَعْيٍ حضاريّ غير مسبوقٍ عند شبابنا، تدلُّ على ذلك شعاراتٌ كثيرةٌ، حَـمَلها الشّبابُ،وعبّرتْ على هذا التوجّه بشكل لافت، فقَد رفعت الجماهير، مثلاً، لوحةً مكتوباً عليها: “لـي يـحب بلادو يربّـي اولادو” (من يُـحـِبُّ بلادَهُ، عليه أن يهتمَّ جيّدا بتربيّةِ أبنائه).. لقد عبَّرتْ العبقريّةُ الشعبيّة من خلال هذا الشعار على قانونٍ اجتماعي هام لبناء الدول، التي لا تزول بزوال الأجيال، لأنّ تربيّة الأبناء وبناء الانسان، هو السبيل الوحيد لـإنتاج جيلٍ قادرٍ على تسلّم الـمشعل بـأمانةٍ واقتدار، ولعلّنا إذا أردنا البـحثَ عنْ سِرِّ الـمستوى النّوعي من الوعيِ الذي أظهره هذا الـجيل، الذي قاد هذه الـهـَبَّةَ الـحضاريّةَ التي تـمرُّ بـها بلادُنا اليوم، يـمكننا أن نرجع أهم أسبابـه، إلى أنّه قد حظِيَ بتربيّة جيِّدة، على أيادي الجيل الذي سبقهُ، والذي تعلّم في غالبيته ولكنّه عاش مـحروما من كثيرٍ من حقوق الـمُوَاطَنةِ، فأحسنَ تلقينَ أبـجديّات الوعي بالـحقوق لأبنائه، ولذلك فإنّ هذا الـجيلَ الـجديدَ يُعَبِّرُ عن ثورةٍ مُزْدَوَجَةٍ، فهو يُـحرِّرُ نفسَه أوّلا، ويقتصُّ لـجيلِ آبائه ثانيّا، وهو ما يبرِّر التّلاحُمَ والاحتفاءَ الشّعبيَّ الأسطوريَّ بين الأجيال والفئات الاجتـماعية الـمختلفة في هذا الـحَراك، لأنّه تتويجٌ لنضالِ جِـيلَيْنِ كَامِلَيْن، حيثُ زرعَ الجيلُ الأوّل تربيّةً واعيَةً، ليجني الـجيلان معاً أولى ثـمَراتِ الـحرّيّة والكرامة.

من شعارات الـحَراك التي تدلُّ على الوعي بأهـميّة التّربيّة والأخلاق أيضا، يـمكننا أن نتوقّف عند شعار آخر جميل،ومُصاغٍ بعنايةٍ وذوق، هذا نصُّه:

” كي يتنـحّاو قاع، لازم نَتْـرَبَّاوْ قاع، ونـَخْدْمُو قاع، ونْبَـرْكُـو مَّن النشْ قاع، صَـحِّيتُو قاع”..(نْبَـرْكُـو مَّن النشْ: بـمعنى: نتوقّف عن التّدخّل في ما لايعنينا).. في الـحقيقة، مضمون هذا الشعار، يـحمل برنامج عـملٍ متكامل للتنميّة الوطنيّة، لأنّ فيه خارطة طريق مُفصّلة تـجيب على السؤال: يتنـحّاو قاع وماذا بعد؟.. في الأخير:من قال أنّ الـحَراك الشعبي جاء ليكون ثورةً جارفةً لا تُبقي ولا تذر،وهو ردّة فعلٍ عن الواقع الـمتردّي الـمرير فقط؟ فها هو يـحمل معه مشروعاًلبناء الانسان والـمجتمع، وها هو يعيدنا إلى سؤال القِيَم والأخلاق من جديد، وقد قد بدأتْ بعضُ ملامـحِ ذلك تتجسّدُ على أرض الواقع، بين شباب الـحَراك من خلال مظاهر:التّضحيّة، والتّعاون، والتّسامح، والنّظافة، والـأناقة في الـتّعامل، والوعي، وحبّ الوطن، والـحِس الانسانـي والـجمالي،والابتسامة الـجميلة..

يبقى علينا أن نُـحوِّلَ هذه الـهَـبَّـةَ الشَّعبيّةَ وهذا الوعيَ الـجـمعيَّ إلى واقع ومُمارَسَةٍ حقيقيَّةً ومستـمرّة .

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق