أراءمساهمات

نداء إلى قيادات الجيش وكل الأجهزة الأمنية

أنتم تدركون، أكثر من غيركم وأفضل منهم، دور إلتحام الشعب مع المؤسسات الأمنية للوطن في تحقيق العمق الأمني وتجسيد تصورات الأمن كبناء اجتماعي دون الخوض في معاني ذلك في الدراسات النقدية أو عند البنائيين أو لدى المدارس المعاصرة التى تعنى بمسائل “الأمن المجتمعي” و “الأمننة” .. ما يهمنا هنا هو التوافق بداية في أهمية تعزيز جوهر الأمن. لذلك أستسمحكم بالقول أن حراكنا الشعبي الوطني قد جسد أمثولة حضارية في سلميته و وضوح مطالبه، وسيصير بإذن الله أيقونة تاريخية لكل شعوب العالم الحرة، وستبقى الجزائر قبلة الأحرار وقلعة الثوار ضد كل أساليب الهيمنة والإختراق، ومنيعة عمن يحاول عبثاً إختراق جُدر مناعتنا فهو بكل تأكيد سيحترق. وحرصاً مني على المساهمة الجادة المسؤولة في تلمس سبل الإرتقاء لما هو أفضل وأنفع وأصوب وأيسر، بما يمليه علي ضميري الوطني، فإنني أتطلع إلى رؤية :

– تثمينا حقيقيا لمضامين هذا الحراك الشعبي الوطني في أبعاده السياسية والإجتماعية والثقافية والاقتصادية والمدنية والمواطنية،

– إنعكاس المستوى العالي للإحترافية التي تميز آداء المؤسسات الأمنية والتفوق الأمني بمافيه المعلوماتي واليقظة الاستراتيجية، أن ينعكس ذلك على مستويات التحصين في مجتمعنا لحماية كياننا الوطني من تسونامي الإشاعة والمقاربات المضللة التي تعمل على تخريب ويعينا الجمعي، والمساس بذكائنا الفردي والجماعي،

– احتضان هذا الوعي الجماعي الذي جسده حراكنا، وعدم هدره بفعل سريان الزمن على حوادث الأمور، والعمل على الإستفادة من الذكاء الباهر الذي أبان عليه شبابنا ومن حبهم لوطنهم وتجذرهم في أرضه وتماهيهم مع مستقبله الرائع الرائق الذي ينشدونه.

أدرك جيدا أنكم على وعي كبير وعميق بما سلف الإشارة إليه، لذا أتوجه إليكم بإلتماس :

– تفادي كل أسلوب يفضي إلى فهومات غير مرغوبة تدفع إلى تصنيفه كإستفزاز، لأن كل شعور شعبي بالإستفزاز سيؤدي إلى إنحرافات في المقابل، وسيفسد كل ذلك سلمية الحراك، وسيسقط أرضا كل منجزاتنا جميعا مشتركين،

– الإستفادة من المهنية والإحترافية العالية لحماية الحراك والدفع به إلى المزيد من السلمية والإرتقاء،

– أن تجعلوا من نجاحاتكم العملياتية في ميدان التصدي للإختراق الأجنبي والإحتواء الداخلي من العملاء و دسائس المخربين، ومحاولاتهم اليائسة لإفساد العرس الوطني، أن تجعلوا من كل ذلك نجاحا وطنيا جماعيا، وأعتقد أن المداخل إلى تحقيق ذلك مهمة ومتاحة، فطرق الكشف عن المعلومة و تسويق المنجزات و إذكاء جذوة الوعي، ينبغي أن يشكل منظومة اتصالية فعالة ومبتكرة وتتناغم مع خيال المجتمع الجزائر وتفكيره و ذكاء شبابه و تحترم طبيعة المرحلة، ينبغي أن تنبع منها سياسة اتصالية ذكية ومبتكرة ومبدعة واجتماعية تستند الى استهداف الطمأنينة وتعزيز السكينة، وليس التخويف واستحضار صور الرعب .. هكذا ستكون جهودكم الجليلة تنعكس في أذهاننا كمجتمع تصديقا وصدقا ومصداقية .. أعتقد أننا كلنا في غنى عن رؤية بعض من مظاهر الغمز واللمز تجاه بيانات الأمس (الجمعة 12 افريل)، لأننا على قناعة بأن ما تحقق في البلد من أمن كفيل بالدفاع عن انجازات المؤسسات الأمنية، لكننا على قناعة كذلك بأنه لا ينبغي الإبقاء على الأساليب التقليدية (التي أحياناُ تكون فجة) في التعامل مع الحراك، أو في نشر معلومات تستهدف اقناعه أو تنبيهه، لكن الكيفية والطريقة والتوقيت والسياقات قد تضر بالهدف وتحرف تدفق المعلومة السليمة عن مسارها الصحيح،

– الوفاء بالضمانات المقدمة للشعب وحراكه علنا وبالقول الصريح، فالشعب الجزائري اليوم يطالب منكم كمؤسسات حيوية دستورية – كعربون وفاء متبادل و كدليل ثقة كبيرة قد تشكل بنيانها – بأن ترافقوا الحراك (دون إملاءات من أحد بالكيفية) إلى حمل الباءات الأربعة على الإستقالة تباعا وبالسرعة القصوى المطلوبة، و المخارج الدستورية متاحة كما يشير إلى ذلك فقهاء الدستور.

– اعتقد أننا في مرحلة ترميم الثقة المهزومة في نفوسنا بسبب ممارسات الماضي، واستعادة الثقة وبناؤها واستدامتها، سيكون اكبر مكسب في كياننا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا المكسب الثمين يحتاج بحق إلى تضحيات وإن غلت، يحتاج إلى جرأة وشجاعة في تجسيد حلول دستورية ولو كنا نراها اكراهات، لكن ذلك سيكون انجازا باهرا سيحفظه لكم التاريخ وسيرفعكم شعبكم منارات شامخة فوق رؤوس الأشهاد، تضيء للعالم من حولنا.

يا سادة : لتستقيل الباءات الثلاثة، ولنذهب في تلاحم إلى عرس انتخابي وطني لإنتخاب رئيس الجمهورية في اسرع وقت ممكن، تحت اشراف هيئة وطنية تمثيلية توافقية مستقلة للإشراف على كامل العملية الإنتخابية.
وبذلك لن تكون لا مرحلة انتقالية غير دستورية، ولن تكون هناك هيئة رئاسة جماعية، ولن تكون أية فرصة لوجود كل ماهو غير دستوري.
وفي الختام سأكون عملي وسأقترح على الجميع رؤية لمعالم حل يحترم المسلك الدستوري، و هي مساهمة تكميلية اخترت لها عنوان مقتبس من كلمة للسيد قائد أركان الجيش الوطني الشعبي :

“لكل مشكلة حل، بل، حلول، فالمشاكل مهما تعقدت لن تبقى من دون حلول مناسبة”

من نفس المنظور الذي طرحه الفريق أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي يوم الاثنين 18 مارس 2019 في خطابه بالناحية العسكرية الثالثة حين قال :
” فكل ذي عقل وحكمة، يدرك بحسه الوطني وببصيرته البعيدة النظر، بأن لكل مشكلة حل، بل، حلول، فالمشاكل مهما تعقدت لن تبقى من دون حلول مناسبة، بل، وملائمة”.

فمن نفس هذا المنظور يطرح العديد من فقهاء القانون الدستوري، من باب تخصصهم ومن زاوية تجربتهم المهنية كما هو الحال مع الاستاذ بوزيد لزهاري، حلولا يرونها مقبولة للخروج مما قد يبدو للبعض انسدادا يبرر في نظرهم الذهاب حتما للمرحلة الإنتقالية اللادستورية أو إقرار الحالة الاستثنائية، لكن فقهاء القانون الدستوري يؤكدون أنه لا يوجد ما يبرر الخروج عن المسلك الدستوري، بل الحلول موجودة من بينها :

أولا أن يستقيل الطيب بلعيز، ثم تعيين شخصية وطنية توافقية مقبولة من مختلف أطراف الحل رئيسا للمجلس الدستوري .. ليتولى بعد ذلك منصب “رئيس الدولة” بعد أن يقدم عبد القادر بن صالح استقالته .. ثم استقالة الحكومة، وفقا لهذا الترتيب، وسريعا ربحا للوقت، وتأتي هذه الإستقالات كخيارات مقبولة من مختلف الجوانب و استجابة لما تصدح به حناجر الجماهير و أيضا كإستفاقة ضمير من قبل هؤلاء بحكم ثقافتهم التي يعرفون مكنوناتها جيدا، والتي جاء فيها “أن الله غاضب على ثلاثة، أولهم من تقدم قومًا وهم له كارهون” .. و سيلبي هذا الحل مطالب الحراك في ظل المحافظة دوما على المسلكية الدستورية.. لكن شريطة، كما جاء على لسان قائد الأركان :
“يتعين بل يجب تبني حل يكفل الخروج من الأزمة، ويستجيب للمطالب المشروعة للشعب الجزائري، وهو الحل الذي يضمن احترام أحكام الدستور واستمرارية سيادة الدولة، حل من شأنه تحقيق توافق رؤى الجميع ويكون مقبولا من كافة الأطراف”
بمعنى أنه لا يمكن مباشرة أي حل من هذا القبيل دون وجود استعداد لتبنيه كحل ضروري ومقبول من جميع الفاعلين السياسيين ومكونات الجماعة الوطنية.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت،
جيش الشعب خاوة خاوة دوما وأبدا
المجد للشعب، الخلود للشهداء و العزة للوطن
تحيا الجزائر حرة واحدة موحدة، أمنة مستقلة، مزدهرة

مهماه بوزيان – باحث وخبير
الجزائر 13 أفريل 2019
7 شعبان 1440
[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق