أراءمساهمات

المادة (102+) “مبادرة المسلك الدستوري” بين العسكري والمدني !!

* بقلم مهماه بوزيان

[email protected]

بداية أرى أنه من المفارقات، في راهن الحالة الجزائرية، أن نجد العسكر يطالبون بالإلتزام بالدستور ويلحون في الدعوة إلى صياغة الحلول ومختلف الخيارات ضمن “مسلك دستوري” .. وفي المقابل نجد “أرباب الحياة السياسية المدنية” يتمترسون خلف أطروحاتهم التقليدية ويدعون إلى تجاوز الدستور بل والذهاب إلى إعادة “اكتشاف الدولة والتأسيس لها” .. بل ومن الغرابة أن نجد أحزابا وشخصيات سياسية وعدد من متقاعدي النظام وقدماء الداعمين لوقف المسار الإنتخابي مدعومين بطيف هلامي المواقف ومن محترفي التجوال السياسي، نجدهم يدعون إلى عقيدة التعطيل السياسي “تعطيل العمل بالدستور !!” .. وفي وضع يقوم فيه العديد من الأكاديميين من المشتغلين على أطروحات تقليدية تعنى ببحث ثنائية “السياسي/العسكري” في حقل العلوم السياسية بإغراقنا بتنظيرات حول موقع الجيش في منظومة السلطة السياسية أو علاقة المدني والعسكري في تعاطي مشهدي منفصل عن زخم الحراك الوطني الجزائري، ويتغاضون عن مقولة رائدة للعلامة ابن خلدون في مقدمته، حيث يقول عن السياسة المدنية “هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقائه”.
ويبقى كل هذا، بالنسبة لي، كأحد تجليات “التصحر” الذي يطبع الحياة السياسية الوطنية، لأسباب عديدة لا يسمح سياق المقال للتطرق إليها، لكني أعيب على ممتهني السياسة أساليب ممارستهم لها ضمن منظورهم لها كلعبة “مغلقة” أي ما سأخسره أنا ستربحه أنت بكل تأكيد !! .. أعتقد أن حالة “العطالة” التي تُثقل بها المعارضة السياسية مختلف مبادراتها ومقترحاتها هي جزء من بواعث حالة التأزم التي وصلنا إليها اليوم .. فالسياسة تبقى هي فن الممكن.
فن الحل : المسلك الدستوري هو الأفضل، والمرحلة الإنتقالية هي الحل الأسوأ
منذ البارحة، بعد بيان وزارة الدفاع الوطني، برز خطاب في وسائل الإعلام فيه شيء من التأميم للخيارات بالقول أن قيادة الأركان هي أول من بادر بمقترح تفعيل المادة 102، أعتقد أن مثل هذا الترويج فيه غفلة قد تضر بمبادرة “الجيش” وتُحجمها. وفي منظوري ينبغي الإشارة أن طلب قيادة الجيش الوطني الشعبي الذي عبر عنه الفريق أحمد قايد صالح يوم 26 مارس في خطاب له خلال زيارته الميدانية للناحية العسكرية الرابعة بورقلة بقوله “وهو الحل الذي يضمن احترام أحكام الدستور واستمرارية سيادة الدولة، حل من شأنه تحقيق توافق رؤى الجميع ويكون مقبولا من كافة الأطراف، وهو الحل المنصوص عليه في الدستور في مادته 102″. للحقيقة أقول أن هذا الطلب الذي وجهته قيادة الجيش لكل فواعل المنظومة السياسية الوطنية جاء استجابة لمبادرات قوية واضحة المعالم والتصورات للعديد من القوى الحية الوطنية المدنية، ومن بينها مبادرتنا التي تقدمنا بها ونشرتها لنا “الحوار الجزائرية” بتاريخ 18 مارس 2019 كوثيقة مبادرة، أسميناها “معالم خارطة طريق آمنة للانتقال الديمقراطي السلس والآمن” والتي ضمّناها تصور متكامل الجوانب شاركت في بلورته كفاءات وإطارات، خاصة من صفوف نخبة العدالة الجزائرية. مبادرتنا هذه تضمنت مفاتيح لحلٍ سلس وآمن وقابل للتنفيذ، وتمحورت حول إقرار حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية وتثبيتها، بناءً على المادة 102، وفقاً لشقها المتعلق بـ “حالة إستقالة رئيس الجمهورية”، و قبل الوصل إلى تثبيت ذلك، قلنا أنه ينبغي مباشرة جملة إجراءات منها أساساً (إقالة ”الحكومة القائمة“ و ”تنصيب حكومة تصريف أعمال“ و ”التوافق حول شخصية تتولى رئاسة مجلس الأمة“ ثم ”تنصيب لجنة وطنية تتشكل من شخصيات وطنية تحظى بالإجماع والقبول العام ويجري التوافق حولها، تكون مهمتها إعداد مدونة قانونية وإجرائية انتقالية، تتضمن : وضع القواعد القانونية والإجرائية الإنتقالية لإنتخاب رئيس الجمهورية فقط، و وضع الجوانب الإجرائية لتحصين العملية الإنتخابية للإنتخابات الرئاسية“ وصولا إلى إنتخاب رئيس الجمهورية في غضون (90) يوماً في إنتخابات ديمقراطية حرة نزيهة وشفافة. ومع نضج المبادرة أكثر أطلقنا عليها لاحقا تسمية “مبادرة تفعيل المادة 102+” وهو منظور الحل الذي نرافع لأجله، ونرفع كل معاني آيات التقدير والإحترام لمؤسسة الجيش الوطني الشعبي لتبنيه والدعوة إلى مباشرة خطوات تجسيده “ضمن إطار الشرعية الدستورية” وبما “يضع مصالح الشعب الجزائري فوق كل إعتبار” ورؤيتها الدائمة بـ “أن حل الأزمة لا يمكن تصوره إلا بتفعيل المواد 7 و8 و102 من الدستور”.

الجيش والمنظور الإستباقي
لعلنا في الحياة المدنية، في خضم نشوة الحراك، نغفل عن جليل التضحيات التي يُقدم عليها إخواننا في مؤسسة الجيش، وفي بهرجة ممارستنا للسياسة تستهوينا العنتريات وصناعة بطولات “خائلية” في الفضاءات المفتوحة أمامنا، وخاصة وسط سمر الخلّانا، كما يفعله في هذه الأثناء بعض من الأسماء البارزة التي جرى تلميعها والتي تطوف ولايات الوطن مُبشرة بإقتراب موسم توسيع الغنائم وتُستقبل إستقبال الأبطال الميامين. علينا أن ندرك جيدا بأن العديد من المؤسسات الوطنية الحيوية ليست غافلة عن التحديات والرهانات، ومن مسؤولياتها تطوير مخططات عمل إستشرافية وعمليات استباقية. فلا يحق لنا الإعتقاد بأن مؤسسة الجيش الوطني الشعبي تستهويها لعبة السياسة التي نمارسها نحن المدنيون، وحين لا نتفق فيما بيننا نقوم بقلب الطاولة على بعضنا وفي اعتقادنا بأن “العسكر” سيتدخلون للتكفل بتبعات ذلك. أعتقد بأنه اليوم أمام مسؤوليات حماية الحدود الوطنية التي هي بطول يزيد عن ضعف حدود الولايات المتحدة الأمريكية مع المكسيك، ورغم كل القدرات التكنولوجية والأمنية التي تحوزها أمريكا، فقد أقرت إدارتها بعجزها وهي ماضية في بناء الجدار الفاصل، لكن جيشنا الوطني الذي يضطلع بواجباته في حماية حدودنا مع العديد من دول الجوار التي تعيش هشاشة وأوضاعا ملتهبة وعلى طول الساحل الصحراوي الذي يعد معبرا عالميا لكل الآفات، مع كل ذلك فهو يرافق بكل حكمة وتفاؤل حراك شعبنا العظيم، على مدى ستة أسابيع كاملة، لكنه أيضا يجمع المعطيات ويلتقط الإشارة حتى الضعيفة منها، ويحلل ويراقب، ولذلك في إعتقادي، فإن الجيش كمؤسسة يمتلك نظرة لبدائل إستباقية عديدة، ومن زاوية النظر هذه، نجد البعض يتساءل: لماذا لم تتدخل المؤسسة العسكرية لوقف كل هذه الإنزلاقات منذ زمن ؟!!
بالنسبة لي في منظوري الخاص، لما استحضر تصور آداء المؤسسات الدستورية، والعمل المنظومي للدولة، والجوانب العلائقية بين مؤسساتها، أستطيع القول، وبالمختصر، أنه في الحالة الجزائرية قد وجدت المؤسسة العسكرية نفسها في مواجهة دائرة حكم مغلقة (الرئاسة، المجلس الدستوري، المجلس الأعلى للقضاء، وزارة العدل، مجلس الأمة) جرى ترصيصها بالولاء المطلق لمن هم على رأسها منذ سنوات عديدة. و كان من بين مكامن قوة مؤسسة الجيش الوطني الشعبي هو إدراكها القوي عن بصيرة بأنها تتعاطى مع مسالك سياسية مليئة بـ “الكمائن” المنصوبة لها، ولذلك لم ترغب قبل اليوم أن تتدخل، بحكم طبيعة الخيارات المتاحة أمامها، في وضع عُطلت فيه عمليا آلية الإخطار الدستوري أو القانوني بما يتيح لرئيس المجلس الدستوري التحرك أو للنائب العام التصرف والتدخل، إضافة إلى إلتزام القضاة للصمت قبل اليوم، وسيطرة الولاة على مفصلية العمليات الإدارية والسياسية في هرمية الآداء الوظيفي للدولة، بما أفقد العمليات الإنتخابية جدواها وأفرغها من جوهرها، وفي وضع يطبعه ضعف الطبقة السياسية وهُزال طروحاتها وعطالتها وإنحصار آدائها فقط في المواسم الإنتخابية، وإغراق المجتمع المدني في الزبائنية، واستقالة الشباب من الحياة السياسية ونفورهم منها، وأيضا عدم وجود تحرك شعبي، في وضع مثل هذا، لم تجد مؤسسة الجيش أي سند مدني حقيقي وبالتالي افتقدت لمشروعية أي تحرك ذي صبغة سياسية لإصلاح الوضع.
لكننا اليوم، وأمام هذه الهبة الشعبية الحضارية الراقية والمتميزة عالمية، تجد المؤسسة العسكرية الجزائرية نفسها حقيقة أمام مسؤولياتها المؤسساتية التاريخية وهي مسنودة بشعبها أمام عدة خيارات ضمن الرؤية التي عبرت عنها وهي الإلتزام التام بالدستور والعمل ضمن نطاق مسلكيته في مواجهة “قوى غير دستورية”.
مواجهة القوى الـ”غير دستورية” ينبغي أن يكون بأدوات دستورية
مؤسسة الجيش، في اعتقادي، لا تؤمن بجدوى الدخول في صراع مع “قوى غير دستورية” خارج حلبة الدستور الذي يؤطر العلاقات ويضبط القواعد ويوفر الإسناد المرجعي، ولذلك فهي ترى بأن المعالجة للوضع الغير الطبيعي والغير الدستوري ينبغي أن يكون بأدوات وميكانيزمات دستورية، لذلك فهي قامت بتوجيه رسائل واضحة الدلالة مطمئنة ومشجعة للحراك الشعبي، ولكل الفاعلين في المنظومة السياسية الوطنية، بأن الجيش الوطني الشعبي ملتحم معكم ومصيرنا جميعا مشترك، لكنه لا يمكنه أن ينوب عنكم في تجسيد الحل السياسي، أو بأن يقوم مقامكم وبدلا عنكم في مباشرة خطوات الحلّ السياسي، فهذا يبقى من مسؤوليات الطبقة السياسية والمكونات المدنية للحراك الوطني. وبقيت مؤسسة الجيش ترقب وتغذي هذا المنظور بمزيد من الرسائل المتناغمة مع المطالب، وتراقب، وتنتظر التجاوب الإيجابي.
وأعتقد أن السيناريوهات المنتظرة من قبل مؤسسة الجيش كانت، إمّا :
1- أن تقدم “القوى الغير الدستورية” عن الكف عن عبثها، وتقوم بتسليم رئاسة الجمهورية المستحوذ عليها إلى المجلس الدستوري كمؤسسة وليس كشخص (رئيسها)، مع ألتماس صحوة ضمير لدى هؤلاء بإنسحابهم من المشهد نهائيا رفقة أصحاب الولاءات (رئيس المجلس الدستوري، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، رئيس مجلس الأمة). وبالتالي إتاحة الفرصة للقوى السياسية مع فقهاء القانون الدستوري للتوافق حول المخرج وآليات تنفيذه.
2- تحرك القوى السياسية والمدنية وفقهاء القانون الدستوري للنظر في كيفيات تفعيل المادة 102، وإقتراح منظور كلي منسجم ومتكامل يتضمن مختلف الآليات والميكانيزمات الضامنة للحل السلس، إستناداً إلى المواد 7و8 أساسا، إضافة إلى غيرها، بدءً من التعويض في رئاسة المؤسسات (مجلس الأمة والمجلس الدستوري) و تنصيب (حكومة + هيئة مستقلة لمراقبة ومرافقة الإنتخابات) مرورا بتثبيت إستقالة رئيس الجمهورية، ووصولا إلى إنتخابات حرة نزيهة لرئيس جديد للجمهورية الجزائرية.
3- البقاء في وضع تأهب ومتابعة عن كثب في إنتظار إرتكاب “القوى الغير الدستورية” لحماقات جليّة، تصل إلى حدّ “الخيانة العظمى” مما يستدعي حتما التدخل وفقا للمادة (75) من الدستور، والتحرك لمباشرة التحقيق في إطار القضاء الذي يشهد حاليا يقظة ضمير عالية ورغبة مؤكدة في إثبات نزوعهم نحو الإستقلالية والدفاع عن شرف المهنة النبيلة.
4- الصبر على تخلف الطبقة السياسية والمدنية على الإضطلاع بمسؤولياتها وتقصيرها في القيام بأدوارها، وبالتالي تحمل الضغط إلى حين إستنفاذ المدة الزمنية الدستورية (قبيل 28 أفريل)، وهنا لا محالة ستلجأ المؤسسة العسكرية إلى الخيار المحتوم حتى لا تقع البلاد في الفراغ الدستوري. وهنا أستحضر ما يُعرف في الأدبيات السياسية بتجربة سوار الذهب “رئيس العام الواحد”، حين تولى الفريق أول عبد الرحمان محمد حسن سوار الذهب القائد العام للجيش السوداني في فترة الرئيس المخلوع جعفر النميري، حيث ظل يراقب تصاعد الثورة الجماهيرية زهاء عشرة أيام، وفي يوم 6 أفريل 1985 أعلن سوار الذهب انحياز الجيش للشعب، وفي “عملية بيضاء” تمت الإطاحة بنظام النميري، وأشرف خلال سنة واحدة على إنتقال السلطة وعودتها المدنية في إنتخابات حرة ديمقراطية، بعدها تنحى سوار الذهب طواعية عن الحكم وتقاعد وتفرغ للعمل الخيري.
أنا أسوق هذه التجربة مع الفارق الكبير، فجيشنا الوطني الشعبي يرافق حراكنا منذ 22 فيفري، وقد أعلن ولاءه للشعب باكرا، والنوايا مبشرة بمآلات باهرة تتحقق من خلالها طموحات شعبنا، فقط أملي أن تخرج الطبقة السياسية من وراء متاريسها التقليدية، وحتى إن بقيت متمسكة بفكرة “المرحلة الإنتقالية” ومبهورة بها، عليها أن تجتهد لتجعلها “مرحلة إنتقالية دستورية”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق