أراء

الـحَراك الشَّعبي: الـمرأةُ والكاميرا

 

إذا رجعنا إلى قوائم آخر انتخابات تشريعيّة أُجْرِيَتْ قبل هذا الـحراك، فإننا نـجدُ مُتَرَشِّحَاتٍ كثيراتٍ، وَضَعْنَ صورهنّ في الـمعلّقات الإشهاريّة مغطّاة الوجه، وبعضُهُنَّ ترَكْنَ مكانَ الصورة فارغاً، والأكثر سـخريّةً أنّ بعضَهنّ وَضَعْنَ بَدَلَ صُوَرِهنّ صُوَراً لبعض مـمثلي الأفلام الكرتونيّة(كوميك)!.. ولـم تكن الظاهرة معزولةً، فقد مَسَّتْ كُلَّ جـهات الوطن، كـما أنّـها لـم تكن مُـقتصرةً على أحزابٍ ذات تَوَجُّهٍ مُعيَّنٍ دون أخرى.. تساءلنا حينها: هل دلالةُ غِطَاءِ وَجْهِ الـمرأة تعني أنّ الـمجال السياسي لازال حكرا على الرجال في الـمخيال الـجمعي للنّاس؟ أم أنّ ترشيح الـمرأة لـم يكن سوى ديكورٍ للإيهام بوجود دورٍ فعّالٍ للـمرأة في الـمجتمع؟ أم هو مـجرّدُ “نصبٍ” واحتيالٍ سيّاسيٍّ على أصوات النّساء؟ كما تساءلنا عن: كيف ستتصرف هؤلاء النّسوةُ أمام الكاميرات التي تـخافُها، إذا نـجحن في الـمجلس الشعبي الوطني؟.. لقد أثارتْ الظاهرةُ يومها نقاشاً في وسائل الإعلام، وقد برَّرَ مسؤولون سيّاسيّون الظاهرةَ بالتّقاليد!.. الأكيد، أنّ الانتهازيّة السيّاسيّة كانت لـها مسؤوليّة عن مثل هذه السلوكات، فقد كانت الأحزابُ تسعى إلى ترشيح نِسْوةٍ من عائلات لـها وزنـها، في ترتيبٍ لا يؤهلهنّ للنجاح من أجل استغلال شعبيتهنّ، و كانوا يقولون لأهاليهنّ إنّ الأمر شكليّ فقط، وبالتالي يشترط الأهالـي عَدَمَ نَشْرِ صُوَرِ نسائهم، كما يتحمّل الـمجتمعُ والنّظرةُ الدّونيّةُ للـمرأة أيضاً جزءا من الـمسؤوليّة عن القطيعة بين الـمرأة والكاميرا.

أمّا اليوم فَإِنَّ الأمرَ مُـخْتَلِفٌ تـَمَاماً، فقد تَـجَاوَزَتْ الـمَرْأَةُ الـجزائريَّةُ في هذا الـحَراك عُقْدَةَ الكاميرا كثيراً، وأصبح الفضاءُ الأزرقُ يَـعُجُّ بِـصُوَرِ الـمسيرات التي تعجّ بصور النِّساء اللواتي أثبتنَ وَعْياً نِضالِياً عَالِياً، فعلى الرّغم من حُزمةِ القوانين الكثيرة التي سُنَّتْ في السنوات الأخيرة لصالح الـمرأة، والتي حَاوَلَتْ بعضُ الـجهات استغلالَـها لكسب أصوات الـمرأة لصالـحها انتخابيّاً.. إلَّا أنّ الـمرأةَ الـجزائريّةَ اختارتْ الانْـحيازَ لصالـح جزائر جديدة، ليس فيها استغلالٌ للـمرأة ولا مُزايدَةٌ بـحقوقها.. لقد أعْلَنَتْ الـمرأةُ الـجزائريَّةُ عن موقِفِها بلا تَرَدُّدٍ، صوتاً وصورةً، وكانت مُشاركةُ الـمرأةِ في هذا الـحراك هي الـميزةُ الأبرزُ لَهُ، فقد عَرَفْنَا الـمسيرات منذ سنة 1988، ولـم يكن للـمرأة حضورٌ يُذْكَرُ فيها، فقد كانت الأمّهاتُ سابقا تُـحَذِّرْنَ أبناءَهنَّ من خطر الـمسيرات، بيْنَـما تـَحُثُّ النِّساءُ اليومَ أزواجَهُنَّ وأبْنَاءَهُنَّ على الـخروج، وتُرافِقْنَهُمْ إلى الـمسيرات، ولا تَـتَوَقَّفْنَ أثناءِ ذلك عن الْتِـقَاطِ الصُّوَرِ، في جوٍّ عائليٍّ احتفاليّ بديع، ولذلك فإنَّ حراكَ اليَوم مُـختلِفٌ، وسَيُكْتَبُ له النّـجاحُ، لأنّ دلالةَ خروجِ الـمرأةِ إلى الشّارع، تعني أنّ حاجز الـخَوْفِ قد انكسر، كما تعني أيضاً وجود بَصَماتٍ جَـماليّةٍ وحضاريَّةٍ، تدلُّ على دَرَجَةِ الرّقيّ الانسانيّ الذي هو شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِكُلِّ نـجاحٍ كبير، لقد كان لِـمُشَاركةِ الـمرأة في هذا الـحراك، دَوْرٌ كبيرٌ في فرض الاحترام والانضباط والسِّلميّة، وذلك تقديراً لوجود العائلات والنِّساءِ والأطفال، كما كان لـحضور الـمرأة دورٌ تَعْـبَوِيٌّ لَافِتٌ، رُبَّـما لذلك كانَ العربُ قديـماً يضعون النِّساء في الصفوف الـخلفيّة أثناء الـحروب، حتى يَـمْنَعْنَ الرِّجَالَ من الـهُرُوب، ولقد صدق أبو حيّان التّوحيدي، إذ قال: الـمَكَانُ الذي لا يُؤَنَّثُ لا يُؤَثَّثُ.. لا شكّ أنّ من أهمّ أسباب نـجاح الـحراك اليوم: الـمرأةُ والكاميرا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق