أراء

مسؤوليّة الإعلام الوطني اليوم

 

عندما يـحسّ الـمواطنون بعجز وسائل الإعلام الـجزائريّة عن التّعبير على مشاعرهم وأفكارهم يلجئون إلى الشّارع، مستعينين بوسائل التّواصل الاجتماعي، ولا يـخفى على أحد خطورةَ أن يَـتِمَّ بعد ذلك التّعتيم على حراك الشّارع، لأنّ نتيجتَه تكون زيادةَ الاحتقان، وتصعيدَ التّوتّر، جرّاء عدم وجود قنواتٍ للتعبير والتّنفيس، وينتهي الأمر إلى فقدان الثّقة، كما يُـمَكِّنُ التعتيمُ الدّاخليُّ من إعطاء الفرصةِ إلى بعض الـقنواتِ الأجنبيّةِ، لتوظيف الـمعلومة بشكلٍ مُغْرٍضٍ أو غير مِهَنِـيّ، إضافة إلى أنّ ذلك قد يَدفَعُ شَبَابَنا، إلى الارتـماء في أحضان القنوات الأجنبيّة، وهو الأمر الذي سَعَتْ السُّلطةُ الـجزائريَّـةُ إلى تفاديه، في أعقابِ مَوْجَةِ الربيع العربـي، من خلال فتح الـمجال للقنوات الدّاخليّة الـخاصَّة، بـدافع حـماية الشباب الـجزائري من التّلاعب بـمشاعره، من طرف القنوات الأجنبيّة الـمساندة للربيع العربي آنذاك.. واليوم،يَـحقُّ لنا أن نتساءل: هل تَغَـيَّـرَ الأمرُ كثيراً بوجودِ قنواتٍ إعلاميّةٍ وطنيّةٍ كثيرةٍ؟ الـجواب: نعم، هناك تغيير يستحقّ التّنويه، فقد أصبحنا نُـتَابِعُ مستجدّاتنا الوطنيّة، من خلال مُـحلِّلِين وخبراء جزائريين،وأصبحنا نُديرُ نقاشاتنا الـمَصيريّةَ في ما بَـيْـنَنَا، غَالِباً،وأصبحتْ عندنا منابرُ وطنيّةٌ كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ للتَّـثقيفِ والتّوجيهِ والتّرفيهِ والنّقاشِ وإبراز الـمواهب.. غير أنّ التَّحَوُّلَ ليس كَافِـياً، ففي الوقت الذي ارتفع فيه منسوبُ الوعيِ السيّاسيِّ والفكريّ لدى الـمواطن الـجزائريّ كثيراً، مازالتْ بعضُ القنوات،تُعْطِي حَيِّزاً كبيراً من الاهتـمام لبعض الـموضوعات الـهامشيّة، وتُعالِـجُها بطريقَةٍ لا تضيف أشياءَ براغماتيّةً أو جَـماليّةً إلى وَاقِعِ الفرد الـجزائري، مثل بعض الـموضوعات العاطفيّة والفولكلوريّة التي لا تُنْـتَقَى بِشَكْلٍ هَادِفٍ، أو بعض الـموضوعات الاجتماعيّة التي لا تتعدّى الـخلافات الزوجيّة وقضايا الطّلاق والـخلع، أو التي تـهـتمُّ ببعض الـجرائم التي تُظهِرُ الـمجتمعَ أكثر فَسَاداً، حيث يَتـِمُّ التّركيز على الـمخدِّرات والسّرقة، ومظاهر التّفكّك الأسري، مثل الـخيانة الزوجيّة، أو زنا الـمحارم، وما شابـهها من القضايا التي تُقَدِّمُ صورةً سوداءَ عن الـمجتمع، تـَجعلُ من يُـتَابِعُ تلك الــمواضيعَ يَعتبِرُ الـمجتمعَ غيرَ مُؤَهَّلٍ لِكُلِّ تـَحَوُّلٍ إيـجابـيٍّ،ويـجب أن يبقى تـحت الوصاية،لأنّه مـُجتَمَعٌ مُتَفَكِّكٌ ومُتخلِّفٌ!..كما أنّ بعض الـمُحتويات مازالتْ تُعَالَـجُ بطريقةٍ لا تُعَبِّر على نَـبْضِ الـمجتمع الـعميق،بشكل مُتَوازِنٍ ومُـحَايِدٍ، وبعضها الآخر يتّسِمُ بالسّطحيّة والعاطفيّة والفولكلوريّة والنَّمَطِيَّةِ، وهي كلُّها خَصَائِصُ لا تُسَاهِمُ كثيراً في صِنَاعَةِ الثَّقافةِ العقلانيّة الـمُتَوازِنَة.

لا يعني هذا أبدا نُكْرَانَ وجودِ دَوْرٍ ايـجَابـِيٍّ وهَامٍّ لوسائل الإعلام الـجزائريّة، فقد سَاهَـمَتْ في نشر كثيرٍ من الوعي، وفَتَحَتْ مـجال التّعبير لَكَثِيرٍ من أصحابِ الرّأي، وَسَاهَـمَتْ في إبراز كثيرٍ من الـمواهب الإعلامية والسيّاسيّة والفكريّة، ذات الـمستوى الـمشرِّف جدّا، ومع ذلك من حقّ الـجميع أن يطمح إلى مزيدٍ من الـحريّة والـموضوعيّة والفاعليّةّ الواقعيّة للإعلام الـجزائريّ، ليكون أكثر تعبيراً عن تطلّعات وآمال الـمجتمع الـحقيقيّة،كما يكون ضامناً للوعي الايـجابـيّ الذي يَعْصِمُ من الفُرقَةِ والفِتْـنَةِ، ويُعَبِّرُ عن التّنوّعِ والتّكَامُلِ والتّسامُحِ، ويُـحقِّقُ العيشَ الـمُشْتَرَكَ بين جـميع الـجزائريين، على مـختلف مشاربـهم وتوجّهاتـهم، ويَقُودُ إلى التّحرّر الواعي، وإلـى التّنميّة الوطنيّة الـحقيقيّة.

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق