أراء

مُثَقَّفٌ كَبِيرٌ على رَأْسِ بَلَدِيَّةٍ

 

أَذْكُـرُ مرّةً أنّ أستاذاً جامعيّاً ومُثَقَّفاً معروفاً، انتُخِب رئيساً لبلديّة من البلديّات، فصنع حدثاً كبيراً، كان النّاس يتـحدّثون عنه وكأنّه خَرَقَ ناموساً إِلـَهِيّاً، وكان لِسانُ حَالـِهمْ يقول له: “واش هَبْطَكْ لَلْواد؟!..” أو “واش ادَّاكْ للزبّالة حتى يُـنْقبك الدّجاج؟!..” حتى زملاؤه كانوا مقتنعين بأنّ صاحبَهم أزرى بنفسه، وَوَضَعَهَا في مَوْضِعٍ لا تُـحْسَدُ عليْه، وكأنّـما قد ترسّخ في اللاوعي الـجمعي للنّاس، أنّ التّرشّح لرئاسة بَلَدِيَّةٍ، لا يليق بعالـِمٍ أو بِـمُثقَّفٍ، وأنّ قدَرَ الـمثقّف،إذا أرادَ أن يبقى مُـحْتَرَماً، أن يُغلِقَ على نفسه في الأبراج العاجيّة، وأنْ يتعالى على النّاس، فلا يَـنْزِلُ إلى واقِعِهم!..لقد ظلّ صاحبُنا يَشْتَغِلُ تـحت ضَغْطٍ نفسيّ واجتماعيّ كبير حتّى تَـمَّ إخراجه من البلديّة في أسوأ الظُّروف!..واليوم يُـتَابِعُ الـجَمِيعُ عمليّةَ التَّرشُّح إلى منصب رئيس الجمهوريّة، وما تَـبِعَهَا من تعاليقَ سَاخِرَةٍ، بسبب كَثْرةِ عدَدِ الـمرشِّحين الذي شارَفَ الـمائة، وبسبب كَوْن كثيرٍ مـنهم لا يَعْرِفُهُمْ أَحَدٌ، وليس لـَهُمْ أيُّ تـَجْربةٍ سيّاسيّةٍ أو مِـهنِـيَّةٍ، تؤهِّلُهم لأيِّ منصبٍ في مُؤَسَّسَةٍ صغيرة، فَضْلاً عن منصب القاضي الأوّل في البلاد!..

الـحقيقةُ أنّ الـمَشْهَدَيْن السّابِقِيْن يُكمِّلان بعضَهما، لأنّ الطبيعة تـخشى الفراغ، وأنّ انسحاب أو تـهـميش كثيرٍ مـمّن يُـمكن أن يُقدِّموا مشاريعَ واعدةً للـمجتمع الـجزائري، يُسَاهِـمُ بلا شكّ في جُرْأَةِ كلِّ النّاس على التّرشّح إلى كلّ الـمناصب، وكأنّ الأمر يتعلّق بِـتَسْلِيَةٍ إعلاميّة!.. ليس الـمقصودُ هنا أن يترشّح الـمُثقّفون وأصحاب الـمستويات العاليّة بالضّرورة، وإنّـما لو كان عددٌ كبير منهم مُنْخَرِطاً في الواقع، بـمختلف توجّهاتـه، لَأَمْكَنَهُمْ التّأثير في توجّه السيّاسة العامّة، والـمساهمة الفعّالة في ترسيخ سُلّم القِيَم الصّحيحة ..صحيح إنّ واقع الـعمل السيّاسي مُنفِّرٌ، في كثير من الأحيان، ولكنّه ليس مُبرِّرا لـهروب الـمثقّفين، في انتظار الـجمهوريّة الفاضلة..أَلَسْنَا نقرأ دائما للـمثقّفين وهم يُرَدِّدُون مقولاتٍ مثل: الـمثقّف العضوي، والـمثقّف الـملتزم بقضايا شعبه، ويردِّدون بأنّ الـمعرفةَ سلطةٌ، وأنّ الثقافةَ قوّةٌ رمزيّةٌ هائلةٌ، ويردِّدون بأنّ من يُسَيْطِرُ على الـخطاب، يسيطر بالضرورة على القرار، وغيرها من الـمقولات التي تربط بين الثقافة والتغيير؟… غير أنّنا مازلنا لا نُدْرِكُ أثَراً للقوّة الرّمزيّة للـمثقّفين في الواقع.. عندنا مثقّفون كبار بـمشارب فكريّة مُـختلفة، لو كان لـهم تأثيرٌ في مُـحِيطِهم، لَـتَجَنَّـبْنَا كثيراً من مظاهر السّطحيّة والتّعصّب والتّطرّف، و لَـأَضْفَـيْنَا على واقعنا كثيراً من روح العقلانيّة والتّسامُحِ والتَّعَايُش، ولا يكونُ ضرَرٌ في اختلاف الانتماءات حِينَها أبداً، فـمن الطّبيعيّ أن يتوزّعَ الـمثقّفون على اتّـجاهاتٍ وقناعاتٍ مُـختلِفة، هي التي تُشكِّل التنوّعَ والثّراءَ والتَّكامُلَ في التّنميَّةِ الوطَنِيَّة..

إنّ حال الـمثقّفين -على اختلاف توجّهاتـهم الفكريّة- في الـمشاركة في الشّأن العام اليوم،  يكادُ يكونُ كـحال الذين قال فيهم الشّاعر:

وَيُقْضَى الأَمْرُ حِينَ تَغِيبُ تَـيْـمٌ… ولا يُسْتَأْذَنُونَ وَهُمْ شُهُودُ!..

كان الشّاعر، يُريد أن يقول إنّ حضور قبيلة “تَـيْمْ” في الشَّأْنِ العام مثل غيابـها، لا يؤخِّر في الأمر شَيْئاً، ولا يُقدِّمُ شَيْئاً، و هو أَقْذَعُ هـِجَاءٍ يُوَجَّهُ لِطَرفٍ من الأطراف في ذلك الوقت، لأنّه يُصَوِّرُهُمْ عاجزين بلا فاعليّة، ولا تأثير أو إضافة.. أَلَيْسَ هذا هو حال الـمثقّفين اليوم؟!..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق