أراء

لَـعـْنَـةُ الإسطبل

 

كان الرّجل راعياً مُـحْتـَرِفاً، يُـحـِبُّ قطيعَه مثل عائلته،لـم يـُخالِط في حياته غير قطعان الغنم والـماعز والبقر، لا يـخرج من بيئته الرعويّة إلا نادراً، وذلك عندما يذهبُ مرّة في الـموسم إلى السّوق الذي يقام في الـمدينة، التي تَبعُدُ عن الـجبل الذي يسكن في سفحه، بأكثر من عشرة كيلومترات، وكان حين يذهب إلى الـمدينة يضطرُّ إلى إبقاء القطيع مـحبوسا في الإسطبل، ولذلك فإنّه يـَحرِصُ على أن لا يتعدّى حدودَ سوق الـماشية، حتّى لا يُطيلَ الغياب على القطيع الـمحبوس جوعا، ولكي يُلبّي بعضَ طلبات العيال الذين ينتظرون فرصة السّوق بشغف كبير، يشتري من البائعين الـمتنقّلين في سوق الـماشية، بعضَ التّمر اليابس وبعض الـحلويات الـمُغبرّة، التي على شكل أصابع، وشيئا من “النّوڤة” أو “الزّلابيّة” الـمُلَوَّثَةِ بأتربة السوق الـممزوجة بفضلات الـماشية ورائحة الصّوف والشّعر، ثـمّ يعود مستعجِلاً..

ظلّ الرّجُلُ على هذا العهد ما يُقارب الثلاثين سَنةً..بعد انتقال ابنِهِ إلى الـدّراسة في متوسّطة الـمدينة بِـمُدَّةٍ، وَصَلَتْهُ ذات يَومٍ رسالةٌ عليها خَـتْمٌ رَسْـميّ، ومكتوبٌ عليها اسـمـُه الـحقيقي الذي لا يعرفه في القرية أحدٌ غَيْرُه، لأنّ سكّان الدّشرة، اعتادوا على مناداته باسمٍ آخر..لـم يسبق للرّجل قطّ أن تسلّم رسالةً في حياته، ولـم يسبِق لهُ أن قرأ حرفاً، ولـم يكن ابنُهُ الذي يعرِفُ القراءة في البيت، كان في نظام الدّراسة الدّاخلي بالـمدينة.. أخذَ الرِّسالةَ وظلّ يدور بِـها على كلِّ مَنْ يَعتقِدُ أنّه يتهـجّى الـحروف، بعد جُهْد كبير، قيل له إنّ الرسالة جاءتْهُ من الـمتوسّطة، وتتضـمّنُ دعوةً لـحضور اجتـماعٍ تعقِدُه الإدارةُ مع أولياءِ التّلاميذ.. وأخيرا جاءتْ الفرصةُ لـ “عمو الرّاعي” لكي يتجاوز حدودَ سوقِ الـماشية.. دخل الـمدينةَ ورأى أشياء مُـختلفةً كثيرا: النّساء والرّجال في حُلَلٍ أنيقة، الـمقاهي والـمطاعم.. اكتشف عالَـماً جديداً في الـمتوسِّطة: مراقبات، مراقبون، أستاذات، أساتذة،  قاعة اجتماع فَخْمة، كراسي فاخرة.. بدأ الاجتماع، نودي باسـمه مسبوقا بكلـمة “مسيو”، أحسّ بتقديرٍ مُـخْتَلِفٍ لنفسه، لفت انتباهَه كثيراً وُجودُ سَيِّدَاتٍ أَنِيقَاتٍ ضمن أولياء التّلاميذ، تساءل في نفسه مُـحْتاراً: لـماذا تـَحْضُر النّساءُ مكان الرجال؟!.. انعقد الاجتـماع ، كان الـحديث يدور بالفرنسيّة أحيانا..لـم يفهم شيئا من مضمونه، لكنّه كان يـَشْعُرُ بأحاسيسَ جديدةٍ داخلَه.. رجع “عمّو الرّاعي” إلى الإسطبل، خاطَبَـتْهُ زوجتُه “الـمخلوقة”: لـماذا تأخّرت؟ لقد تَـعِـبْتُ كثيرا في السيطرة على القطيع..تصاعدتْ أحاسيسُ الغُرورِ دَاخِلَهُ، فانفجر في وجهها: “اعرفي قدرك يا مـخلوقة، أنا راني أصبحت مسؤولا..من اليوم، قولي لـي: “مسيو”، رانـي كنت في نيريو هامّ (رينيو مقلوبة: اجتماع)، الـهدرة فيه غير ب”الفرانسيسة”،وحق ربِّـي فيه نساء مثل الرّوميّات!..”من ذلك اليوم: بدأ القَطيعُ يتناقَصُ كُلَّ شهر، وأَصْبحَتْ”الـمخلوقة” هي التي ترعى القطيع، وأصبح “عمّو…” يـرتادُ مقاهي الـمدينةِ ومَطَاعِـمَها الفَخْمَة، ثـمّ أصبح عضواً في جـمعيّةٍ للفلاّحين وفي حزب سيّاسيّ، وقيل أنّه أصبح يَذهبُ إلى العاصمة في بعض حالات غيابه، وتَدَاوَلَتْ بعضُ الألسنةِ أنّه أُعْطِيَ منصباً مُـهِمّاً هُناك.. ومن ذلك اليوم أيضا، بدأنا نسـمعُ الـحديثَ عن انقراض الثروة الـحيوانيّة، وعن أمراضٍ لـم نكُن نعرِفُها من قبل، مثل: الـحُمّى القلاعيّة!..

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق