أراء

أسقاس أمقاس

لقد ظلّ آباؤنا وأجدادنا يـحتفلون بعيد ينّاير (راس الـعام) بالكسكسي و “الشَّرْشَمْ” منذ القديـم دون أيّةِ حَساسيَّةٍ عِرْقِيـَّـةٍ، واليوم يكتُبُ بعضُهم بـمناسبة ينّاير، عن ضرورة إرجاع “الــمُهاجرين غير الشّرعيين” العرب إلـى شبه الـجزيرة العربيّة!.. هكذا تريدُ سيّاسةُ الإلـهاء التي شعارُها “فرِّق تَسُد” أن تثير الفتنة بين الإخوة الـجزائريين،تـماماً مثلـما سعَتْ أيادٍ خَفِيَّةٌ بالأمس إلى تفـجير النّعَرات العِرقيّة والـمذهبية في غرداية، رغم التّعايش والتّسامح الـمثالـي  الـذي عَرَفَـتْهُ بلادُنا منذ عهد نوح عليه السلام..في الصّائفة الـماضيّة احـتجّ بعضُ سكّان الـجنوب على إقامة حفلٍ غنائـيٍّ بطريقةٍ رآها البعضُ غيرَ مقبولةٍ، وبدلاً من أن ينحصر النِّقاشُ في مُناقشة أسباب الاحتجاج وطريقَـتِه الـخاطئة، راح بعضُهم يُناقِشُ خصوصيّاتِهم الثّقافيّة،ويقارِنُ بينهم وبين بعض مناطق الوطن بأسلوبٍ قد يُـثِيرُ النّعرات الـجهويّة!..وفي الأسبوع الـماضي عاد النقاشُ إلى السّطح من جديد عندما اختيرت مَلِكَةُ جـمالٍ للـجزائر سمراءُ البشرة من الـجنوب، وعِوَضَ أن ينصبَّ النِّقاش على جوهر الـموضوع أو على الـمعايير الفنيّة والثّقافيّة لاختيار ملكة جـمال الجزائر، أُريد للنِّقاش– بفعل فاعلٍ مُغْرِضٍ مـجهول_ أنْ ينـحرف إلى منـحدرات الفتنة من جديد،فيثير موضوعات الـجهويّة واللون وغيرها من سخافات العنصريّة والقبليّة الـمقيتة.. يا أيُّها الـمُحافظون: هل نسيتم أن مثل هذه السلوكات قد تـجاوزها الزّمنُ منذ عهد بلال الـحبشي وسلمان الفارسي رضي الله عنهما؟!.. و يا أيّها الــحداثيّون: هل تناسيتُم القِيَمَ التي جَعَلَتْ باراك أوباما يَصْبِحُ رئيساً للولايات الـمتّحدة، وهو الأسـمر الذي وفد والدُه إلى أمريكا من إفريقيا، منذ ستّة عقود من الزمن فقط؟!..تعايشوا من أجل الـجزائر.. إنّه لا أَحَدَ يـُمكنه أن يطلبَ من أحد أن يتنازلَ عن هُوِيّـَـتِه.. لقد ظلَّتْ الأمازيغيّة إحدى الـمكوّنات الرئيسيّة للأمّةِ الـجزائريّة عبر تاريـخها الطويل، ولـم تكن في يوم من الأيام -قبل مـجيء الاستعمار الفرنسي- متصادمةً مع الـهويّة العربيّة، التي تـمازجتْ معها بالـمصاهرة والنّسب والعيش الـمشترك، طيلة أكثر من عشرة قرون، وكان لـهما مصيرٌ واحد وهدفٌ واحد ووطنٌ واحد.. وهو ما يـجعل الـحديثَ على هُوِيَّةٍ جزائريّة، أمازيغيّة أو عربيّة واحدة نقيّة غير مـمكن .. فعلى الـجزائريين أن يدركوا أنّ كلّ مـحاولة لبعث التفرقة والصراع وإثارة الفتن بينهم، إنْ هي إلا امتدادٌ للسيّاسة الاستعـماريّة التي كان شعارها “فرِّق تَسُد”.. كما عليهم أن يدركوا أنّ أحداث التّاريخ والواقع أثبتتْ أنّ  تقسيم الأوطان يبدأ بإحداث حالات استقطاب حادَّةٍ في الأفكار تـمتدُّ إلى الانتماءات العرقيّة واللغوية والقبليّة والـجهويّة وتنتقل في الأخير إلى الـمشاعر الشّعبويَّـةِ الـمتأجِّجةِ، التي كثيرا ما تـَحْجُبُ العقلَ وترتدي دثار القداسة والـهُويّة والتّاريخ، لتبرير الانتقام والثّأر والتعصّب والتّدمير.. والأمثلة الواقعيّة كثيرة، وليس ما يدور حولنا اليوم من مُـحاولاتٍ لتفتيت بعض الدول في أعقاب ما يسمّى بـــــــ”الربيع العربـي” بـِخَافٍ على أحد..

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق