أراء

مِـزاَجٌ جَـزَائِرِيٌّ

كانتْ الزّحـمةُ شديدةً في مـحطّة البنزين، صفٌّ طويل من السيّارات التي ينتظر أصحابـُها أدوارَهم، بشيء من العَجَلةِ والعصبيَّةِ الـملحوظة، وكانت مـحاولاتُ بعضِ السّائقين التّحايلَ على الطابور لكسب بعض الوقت تُصعِّدُ في إثارة الأعصاب، كما كانت أجهزةُ التنبيه في السيّارات ترتفع من حين لآخر مَـمْزوجةً بصراخ بعض السّائقين، للتنديد بـمحاولات التّسلّل التي لا يـحترم أصحابُـها أدوارَهم في الصّف.. لاحظتُ أحَدَ الشّباب خلفي يُـحاوِلُ تـجاوزي، يُطِلُّ برأسِ سيّارته ويتلاعبُ بعجلاتـها في عصبيّةٍ، مُتوثِّباً يَبحثُ عنْ منفذٍ للتّسلّل، كانَ مرفوقاً بزوجته ووَلَدَيْن يَـبْدُوان في سنِّ الـمدرسة، وكان يبدو عليه أنّه مُستعجِلٌ .. في إحدى مراوغاته من أجل التّسلّل، التي أطلّ فيها بـخرطوم سيّارته حتى أصبح بـموازاتي، سألتُه: ما سبَبُ كلُّ هذه الزّحمة، هل سينفدُ البنزين من الـمحطّات؟ أجابني: الزّحمة بسبب عيد رأس السّنة، وأضاف: أنا داخلٌ إلى تونس، ولا بدّ أن أملأَ خزّان السيّارة هنا، ثُـمّ أضاف: أغلبُ هؤلاء مثلَ حالتي.. بَقَيْتُ في الطّابور مُدّةً طويلَةً أتلهّى بِـمراوغات بعضِ السّائقين من أجل التسلّل، وببعض الـمُشادّات والصّراخ وبعضِ السِّبابِ والشّتائم أحيانا.. وعندما اقتربَ دَوْرِي لفتَ انتباهي العامِلُ بالـمحطّة، الذي يَتَحرّك بِـبُطْءٍ شديد وبشيء من الصّلفِ الظّاهر، وكأنّه يتـعمّد تعطيل الزّبائن من أجل أن يَتراكَمُوا في الطّابور أكثر، أو كأنّه يُلْفِتُ الانتباهَ إلى أهـمِّيتِه في تلك اللحظات الـحسّاسة، ويتلهّى هو الآخرُ بالتّلاعب بأعصاب النّاس الـمُتْعبين من الطّابور!.. بَقَيْتُ أُمضي الوقتَ في مراقبته وهو يتقَمَّصُ دَوْرَ الرّجلِ الـمُهـِمّ ويـمارسُ السّلطة على مَنْ دُونَه من الزّبائن، وفُجْأةً رأيْتُهُ ينفجِرُ غاضبا بِشكلٍ غيرِ طبيعي، مُنْتَقِماً لكرامتِه الـمهدورة بِسِبَبِ إحدى السيّارات التي توقّفَتْ أمامَه، سَـمـِعْــتُهُ يُطلق سيلاً من الكلام الفاحش، وهو يُــزْبِدُ ويُـرْعِد، مُتَوَجِّهاً بالتّهديد إلى سَائِـقِ السيّارة التي تقفُ أمامه: تَبـّاً لكم!..ماذا تَـحسِبونَ أنفُسَكم؟ هل أنا خادِمٌ عِندكُم؟ أَنتم تذهبون إلى السيّاحة في تونس وأنا أَخْدِمُكُم؟!.. اشرأبَّتْ أعناقُ جـماهير الزّبائن إلى السيّارة التي أمام العامِل الـهائجِ، لِيَــرَوْا الشّخص الذي انتقص من قيمتِه، أو أَصَابَهُ في شَرَفِهِ، إلى درجة أنْ جَعَلَهُ يَـنْـتَـقِمُ لِكَرَامَتِهِ بتلك الطريقة الاستعراضيّة جدّا.. فـُجْأَةً نَزَلَتْ من السيّارة امرأةٌ تبدو في سنِّ وَالِدتِه،كانتْ وحيدةً في سيّارتِـها، كان يبدو عليها التّأثُّرُ الشّديد، والـحياءُ الشّديد،ولا يبدو عليها أيُّ أثرٍ للعدوانيّة أو عدم الاحترام، ولكنْ يبدو عليها الانكسار الشّديد، بسبب ما سَـمـِعتْهُ من شَتائمَ سافِلةٍ، أَمْطرَهَا بـها عَامِلُ الـمحطّة، لأنـّها طَلَبَتْ منه بكلّ أدبٍ ورِقّةٍ أن يتكرّم بتعبئة خزّان سيّارتِـها بالبنزين، بعد أن فتَحتْ الـخزّانَ وهي بداخل سيّارتـها، واستحْيَتْ أن تنزلَ أمام الطوابير الطويلة من الرِّجال!..هنا أطرحُ بعضَ الأسئلة، وأتركُ التّحليل للقرّاء: لـماذا لا يـحترِم الجزائريّون الطّابور؟ هل سلوكُ عامِلِ الـمحطّة راجعٌ إلى عدم تقديره لطبيعة عَـمَلِهِ؟ أم إلى عدم تقديره لنفسه؟ ولـماذا اعتبر عدمَ نزولِ الـمرأةِ لِفتحِ خزّان البنزينِ إهانةً لَهُ؟ تُـمَّ لـماذا تعاملَ معها بتلك القسوة؟ هل هو بداعي التّعويض والتّنفيس، طِبْقاً للمثل الشعبي القائل: ” اللي يغلبوه الرجّالة يْدَوَّرْهَا على النساء في الدّار” ؟ أم أنّـها “الـحـُقْرَةُ” وعدم احترام الـمرأة؟ لـمـاذا الانسانُ الـجزائريُّ عنيفٌ وغضوب؟ هل لأنّ أعلافاً ثقافيّةً كثيرةً ظلّت تُغذِّي عَصبِيَّتَـهُ من مثل: “عاش ما كْسَبْ ماتْ ما خْسَرْ”و “زَوَّالـي و فْحَلْ” و”تاغنّانت تاخسّارت” و”فـحل انـْمُوتْ وما نـحملشْ الذّلّْ”؟!..أوغيرها من الأعلاف التي تَصنَعُ الـمزاجَ الجزائريّ؟ أمْ هي الضغوطاتُ اليوميّةُ التي قد تُولِّدُ الانفِجارَ أو الانـتِـحَار؟

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق