أراء

هَيْـئَاتٌ كثيرةٌ.. وخَلَلٌ في التَّأْطِير.

إنّ الذي يَـتَأَمَّلُ عَدَدَ الـهيئات والـمجالس التّنفيذيّة والتّشريعيّة والاستشاريّة الكثيرة الـموجودة في الجزائر، يعتقدُ أنّ الـمجتمع بـمختلف شرائحه، مُؤَطَّرٌ بشكلٍ رائعٍ لا مـجال معه للانفلات أو القطيعة أوسوء الـفهم وفقدان التّواصل..فإلى جانب الـمـجالس النيّابيّة الـمحلية والوطنيّة، أنشأتْ الدّولةُ مـجالس وهيئات عُلْيَا كثيرة في كُلِّ القطاعات الـحيويّة، حيث هناك هيئاتٌ ومـجالس عليا خاصة بالثقافة والآداب والفنون والتّربيّة والشؤون الدّينيّة واللغة العربيّة واللغة الأمازيغيّة والسينما والـمسرح والاعلام والبحث العلمي والطب والاقتصاد، والـمرأة والطّفولة وغيرها..وفي الـمقابل يوجد مثل ذلك على مستوى الـمجتـمع الـمدنـي، فهناك عشرات الأحزاب التي لـها أيضا هيئات قياديّة عُليا، ولـها مـجالس وطنيّة، ومـجالس شورى، ومنظّمات جـماهيريّة، وهيئات وطنيّة خاصّة بالشباب وبالطّلبة، وأخرى خاصّة بالـمرأة، ومـجالس متخصِّصة في الاستشراف والتّخطيط، وغيرها.. كـما أنّ هناك عشرات النّقابات وآلاف الـجـمعيّات التي لـها الـهياكل التّنظيميّة نفسُها من مـجالس وطنيّة إلى أخرى قطاعيّة تبدأ من الـخلايا البلديّة وتنتهي في الـمكاتب الوطنيّة.. قيّاداتٌ وطنيّةٌ، وأخرى جهويّةٌ، وأخرى مَـحَليّةٌ، مسخَّرَةٌ كُلُّها للعـمل التطوّعي من أجل خدمة الـمجتمع وتأطيره وتطويره.. على الرغم من وجود كلّ هذه  الـهياكل  التّنظيميّة التي تُصرَفُ عليها أموالٌ كثيرةٌ– على الـمستوى الرسمي أو على مستوى الـمجتمع الـمدني-إلّا أنّ النّتائج على مستوى التّأطير الاجتماعي النّاجع تكاد تكون مُنْعَدِمَة.. لأنّ  غالبيّة هذه الـهيئات الـمحليّة والوطنيّة لا تقوم بوظيفتها في صناعة الرّأي،وفي تأطير الـمجتمع وتوجيهـه وتَـنـْمِيَـتِه،وكأنَّ وُجودَها مـجرّدُ وجودٍ شكليٍّ مُفرَغٍ من الـمحتوى، فهي ليست أكثر من خلايا نائـمة وظيفتُها البريستيج،ولذلك فبعضها لا يَـتَحرّكُ إلّا نادِراً، وبعضُها الآخرُ لا يَـتَحرَّكُ إلا مرّةً واحدةً كُلَّ خـمس سنوات، عند مـجيء الـمواعيد الانتخابيّة لـتحقيق بعض الـمكاسب الـخاصّة، أو لتسجيل الـحضور والـحفاظ على البقاء، أو للحفاظ على ماء الوجه!..إنّ التّراجُعَ الكبيرَ لِدَوْرِ الـهَيْئات والـمؤسّسات السياسيَّة والثّقافيّة والتربويّة والاعلاميّة والاجتماعيّة والدّينيّة،في السّيْطرةِ على حركيّة الـمجتمع، وعدم قُدْرتـِها على صناعة القِيَمِ والأفكارِ الـموجِّهَةِ للرّأي والسُّلوك العام، يؤدّي بالضرورة إلى الانفلات الاجتـماعيّ، ويُنْتِجُ الإحباط الشّامِل،والشّعورَ باللاجدوى، والتّيْهَ الأعمى، وضياعَ الـهدف، والـخوفَ من الـمستقبل، وفُقْدانَ روحِ الـمُبادرة والابداع، والشَّللَ العام، والـموتَ البطيءَ بعد فقدان الإحساس باللُّحْمَةِ والانتماء.. وهي كُلُّهَا أَمْراضٌ اجـتماعيّةٌ ونفسيَّة قاتلة، تتـجلّى بَعْضُ أعراضها من خلال الظواهر الاجتماعيّة الـخطيرة، التي تتفاقـمُ يوماً بعد آخر، مثل الـحَرْقَةِ والـمُخَدِّرات والإجرام والفساد والانـحلال الأخلاقي والثقافي، ومشاكل أخرى كثيرة ..الـحقيقةُ أنّ حَالَ كَثِيرٍ من الـهيئات التي تَزْعـُمُ تـمثيلَ قطاعاتٍ مُـخْتَلفةٍ من الـمجتمع، كَحَالِ العُشَّاقِ الذين قال فيهم الشّاعر:

وكُـــــــلٌّ يـَدَّعِـــــيِ وَصْــلاً بِــلــَيْـــلَى… ولَيـْـلَـى لا تُــــــــقِـــــرُّ لـَهُمْ بِــــــــذَاكَا

إذا اشْتَــبَكَتْ دمُوعٌ في جُفُونٍ… تَبَيَّنَ مَنْ بَــكَى مِـمَّنْ تَـــــبَاكَــى

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق