أراء

ناهد زرواطي تكتب: تعود بي الذاكرة لاغتيالك يا يوسف

كل عام .. في هذا التاريخ تعود بي الذاكرة إلى يوم اغتيالك يا يوسف،
كان يوما مشمسا يحمل بين نسماته همسات مناداة الموت..


التقينا قبلها بيوم داخل القاعدة العسكرية الجوية “الوطية”،دخلت غرفة أحد الجنود أتبادل أطراف الحديث مع بعضهم، فجأة نطق شخص “ناهد ..أعتقدأنها لم تعرفني”، استدرت لأجده الرائد يوسف، قلت له “يوسف ربيت اللحية لمأعرفك فعلا، كيف حالك”، تبسم وبدأنا نتذكر سويا ساعاتنا العصيبة، وحصارنا داخلمطار طرابلس العالمي من قبل قوات فجر ليبيا، وكيف أصيب ونقل للعلاج، تذكرنا كيف كنا نلتقي داخل مدينة الزنتان الليبية، وكيف كان يوصلني أحيانا إلى مسكني ونحن نتحدث فيأمور الحرب التي لم تخمد نيرانها ..
في تلك الأثناء دخل علينا أحد المرافقين، وهو يقول إن جماعة السلفية ترفضدخولي الجبهة معهم لكوني امرأة يخاف عليها أن لا تتحمل هول ما سترى، تبسم يوسف أمامهمقائلا ” أكيد لا تعرفونها لأنكم لم تكونوا معنا أيام حرب المطار”. عرض عليالمرحوم الخروج معه في جبهته ضد أنصار الشريعة، والتي كانت مبرمجة للغد الغادر..
إفترقنا لأنه نام ليلتها داخل القاعدة العسكرية، أما أنا فعدت أدراجي نحو مسكني بمدينة الزنتان، وفي الصباح الباكر إستفقيت ..صليت الفجر مع ركعتين، سلمتخلالهما أمري لله عز وجل، وشددت الرحال نحو جبهة المجهول..
إلتقينا مجددا أنا والشهيد على مشارف منطقة صبراته الليبية، كان هادئمتبسما، بل وكان عهدي به على الدوام هكذا، محبوبا من الجميع كلمته لا تعاد مرتان وأتباعهيحلفون بحياته..اتصالات كثيرة كان يتلقاها أثناء التسجيل، أعتقد حسبما فهمت أنها كانتمن شقيقه، وقتها جزمت أنه كان الأخ المسير لكل المنزل..
لم نتناول وجبة الغداء، قرر الرائد أن تكون بعد إكمال الجبهة التي دخلناها،وكان في كل مرة يقول لي جملة واحدة “إبقي بجانبي لا تبتعدي عني ولا تقربي الخطوطالأمامية”، ولا أدري ماذا حدث إذ وبعد دقائق من الدخول على مشارف صبراته، وجدتنفسي في الخطوط الأمامية رفقت يوسف الذي لم يكن هاتفه النقال يفارقه، صواريخ كانت تسقط بجانبنا ..عرفت أن العدو حاصرنا وقام بعملية إلتفاف .. وقتها كان يوسف يكرر جملة واحدةعلى الهاتف ” أرسلوا الطائرات لقد حوصرنا”، نعم العدو يقترب وهو خلفنا وعلىبعد أمتار بسيطة منا، لكن يوسف يرفض إنزال رأسه أو الاختباء وراء الكثبان الرملية،تراها كانت مناداة الموت أو عزة النفس، ورفض الخضوع للأمر الواقع أو ذلك الأسد ملكالغابة الذي يموت شامخا .. أعتقد أنه استهتار ممزوج بالأخيرة .. فاتورة دفع روحه ثمنالها..
كنت ممسكة بالكمرة وأنا أتحدث معه “يوسف اخفض رأسك”، حتى سمعت” بق” مع سلاح يسقط على الأرض، نعم كانت رصاصة غدر..مشهد لن أنساه ما حييت،فالرائد مرمي أمامي ينظر إلي ويتخبط صعودا نزولا، وأنا لا أدري، لا أستوعب .. يا اللهما هذا، هل هو يوسف، هل أصيب، لكن أين.؟ ..فجأة رأيت دما يخرج بقوة من رأسه وأحد المرافقينيقول ” شهد يا يوسف “، وقتها دخلت في اللاشعور اللاوعي أحدث نفسي “يوسف قد أصيب، وعندما أخرج سأزوره في المستشفي لا لم يمت”..
خرج الرائد المصاب أو الشهيد وقتها من الجبهة..بقينا ثلاثة أشخاص محاصرينبدون سيارة والعدو يقترب أكثر فأكثر ..سمعت شخصا يهرول باتجاهنا ..نعم إنه إيهاب أحدمرافقي يوسف .. يصرخ قائلا ” أنقذوا الصحفية إنها محاصرة عيب عليكم إنها امرأة”، لا أدري كيف خرجت يومها، كل ما أعلمه أن أمي بعد الحادثة أخبرتني أنها يومهاقدمت صدقة سائلة المولى عز وجل حمايتي “الصدقة تمنع الأذي”.
خرجنا من الجبهة وعيون جميعهم نحوي، كانت كلها حسرة ممزوجة بحقد ربماوبعض من الكراهية، ربما ظنوا أن الشهيد توفي بسببي، أخذنا سيارتنا باتجاه المستشفى،وفي الطريق أوقفنا بعضهم ليقدموا لنا جهاز الصوت الذي كنت قد ألبسته ليوسف وهو ملطخببعض من دماءه، وقتها عرفت..نعم يوسف استشهد ..
داخل المستشفي عائلته..أردت فقط أن أقبل جبينه وليس عيبا ما أقول، فقد كان أخا عزيزا 
لكن بعض من عائلته يرمقونني بنظرات لا تبشر .. ليلتها وقف عند باب إقامتي بعض من إخوة المرحوم قائلين ” سعيك مشكور، لكن عزائك غير مقبول في بيتنا”.. تراني تفهمتهم وقتها .. لا أعتقد.. لكن بعدها نعم ..
أتذكر يوم دخلت مدينة صبراته الليبية، وفي أحد الفنادق والساعة بعد الثانية صباحا، حالة ذعر ورعب داخله، ما الأمر، أحدهم قال دخل علينا أمير لداعش، دخل بهو الفندقوبكل هدوء طلب خروجي للحديث معه وفعلت، رمقني بنظرة من فوق إلى تحت، وقال ” هلأنت من كنت في جبهة الوطية”، أجبته ” نعم”، ليرد أنا من قتلت الكافرالذي كان معك .. ( باقي الحديث سأنشره ذات يوم)..
قيل الكثير في وفاة يوسف الشائبي.. البعض قال توفي فداء لها وبدل عنها..فيما قال البعض الآخر توفي رجل صان عرض امرأة.. توفي ليبي حر رفض أن تسبى من استجارتبه ..تمر السنين لكن الذكرى تبقى محفورة للأبد، والتاريخ يبقى يذكر دائما شهامة رجل،وما الأعمار إلا بيد الله عز وجل، اللهم ارحمه واغفر له ..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق