أراء

حكاية الذِّئب التّائب والرِّزق

كان جدّي رحـمه الله معلِّم قرآن، سـمِعَنا مَرّة ونـحن صغار، نتـحدَّثُ عن مكانة الذين يـحفظون القرآن الـمعنويّة، وكيف أنّـهم مـحظوظون، بسبب أنّ النّاس يُبَجِّلونَـهم، وقد يُغْدِقُون عليهم الـهبات والعطايا،فَلَاحَظَ أنّ بعض “القدادشة” – وهو مصطلح يُطلق على طلبة الكتاتيب عندنا- يَسعَوْن لـحفظ القرآن من أجل التّكسُّب والاسترزاق، معتقدين أنّ بركة القرآن الكريم تُوفِّرُ لهم وَحْدَهَا النّجاحَ والعيشَ الرّغيد..فأراد أن يُلْفِتَ انتباهَهُم إلى ضرورة كسب رزقهم بالعمل والـعَرَق، وأن لا يـجعلوا القرآن الكريم مطيَّةًلاستغلال مشاعر النّاس وللتخاذل والسّلبيّة والاتّكال على البركة وحدها.. من أجل ذلك حكى لنا الحكايةَ الشّعبيّة التّاليّة:”يُـحكى أنّ ذئبا تائباً ذهب إلى حجّ بيت الله، وعندما رجع من الحجّ، ذهب بعضُ معارفه لتهنِــئَـتِـه، وهنالك قالوا له ناصحين : أيّها الذِّئب أنت الآن حاجّ، فعليك بالتّوقف عن التّحرّش بقطعان الـماشيّة، فقال لـهم: ومن أين استرزقُ إذن؟ فقالوا له: كُفّ عن التّعدّي على القطعان، وسيرزقك الله، ألا تعلم أنّ الرزق بيد الله؟.. استجابَ الذِّئبُ الحاجُّ للنّصيحة، وبقي في بيته مكتوف الأيدي والأرجل، ينتظر رزق الله دون سَعْـي، غير أنّ الـمسكين كاد يَهْلِكُ من الجوع، ظلَّ يُـجاهدُ نفسَه، صابراً ليوم أو يومين، إلاّ أنّ هلاكَه من الـجوع أخذ يبدو مؤكَّداً، وبينما هو كذلك يَتَضَوَّرُ جوعا، مَرَّ أَمَامَه قطيعٌ من الغنم، فلم يـجد حلّا غير أن قَفَزَ على خروفٍ صغير، واختار خروفا صغيرا فقط، حتى لا يُلْحِقَ ضررا كبيرا بالقطيع، فقد اختار ما يكفي أن يُشْبِعَ جُوعَهُ فقط دون زيادة، حتى لا يكون من الـمفسدين الـمبذِّرين لأنّه حاجّ.. بعد أنْ شبع الذّئبُ جاء الذين نصحوه  بأن يَكُفَّ الأذى عن القطعان لزيارته، ولاحظوا علامات الرّضا والرّاحة عليه، فقالوا له: يا سبحان الله، لَكَم يبدو وجْهُك مُشْرقاً، إنّ ذلك من علامات قوّةِ الإيـمان، ألـمْ نقلّ لك أنّ اللهَ سيرزقك إذا كفَفْتَ أذاك عن القطعان؟.. فقال لـهم: في الحقيقة هو رزق من الله بِكُلِّ تأكيد، ولكنّني حَصَلْتُ عليه بعد قَـفْزَةٍ في إثـر خروف صغير، ولولا تلك القفزةُ لـَهَلَكْتُ من الـجوع!..”

العبرةُ من هذه الـحكاية الشّعبيّة، أنّ الله لا يـُحقِّقُ أهدافَ الذين لا يُقدِّمون الأسبابَ الكافيّة للحصول على التنميّة والعيش الكريم، حتى وإن كانوا قدّيسين.. وأنّ الـخَلَلَ في تصوّر الوعّاظ الذين نصحوا الذِّئْبَ بالتّواكل، يكمُنُ في أنـّهم لم ينصحوه بأن يُغَـيـِّرَ طبيعةَ نشاطه العدواني، ويكدّ من أجل رزق آخر مشروع، لا يعتدي فيه على القطعان، ولكنّهم أَوْهَـمُوهُ أنّ السَّماءَ تُـمْطِرُ ذَهَـباً على الـمتواكلين الـمتقاعسين، والكسالى الـخانعين باسم الدّين أو باسم أيَّةِ شَرْعيّةٍ أخرى.. ويصلح هذا الأمر على الأفراد والدّول سواءً.. فالأخطر في الأمر أنّ هناك من النّاس اليوم من يريد تغيير الوضع الاجتماعيّ العامّ الـمتردّي للبلد، بالخـُطب والوعظ والأدعيّة،أو باسم الشّرعيّة والتّباكي على الـماضي، أو حتى بالتّمائم والأوهام والشَّعوذة، وهومكتوفُ الأيدي لا يُـنْتِجُ شيئا، وليس له أيَّـةُ قِيمَةٍ مُضَافَةٍ في الواقع،ولا يـَمْتَلِكُ أدنى حدٍّ من القوّة الفكريّة أو الـمادّيّة !..

 

مقالات ذات صلة

إغلاق