أراء

دعوة للكراهية

مصطفى بونيف

هناك كاتب ساخر… من تركيا اسمه عزيز نيسين.. توفي سنة 1995، لا أخفي عنكم كم أغار من هذا العبقري الذي برع في كتابة الكوميديا السّوداء، والكتّاب في هذا المجال هم أقل النّاس حظّا، فكلما برع الساخر فيما يكتبه، فتلك علامة على اتساع مساحة الحزن في حياته (ما علينا!).

يحكي عزيز نيسين في أحد كتبه أن أحد أعضاء حزب سياسي في تركيا.. شعر بالغيرة والكراهية تجاه حزب منافس، فقال يوما لأحد خبراء السياسة بأنه أصبح يفكر: انتقم من هذا الحزب بأي طريقة حتى ينتهي أمره وينهار كليا.

ضحك الخبير وقال له: (هل تريد حقّا تدمير الحزب المنافس؟).

– نعم… دلّني على الطريقة أرجوك.

فقال له الخبير: (عليك بالانضمام إلى الحزب المنافس فورا، وسوف ينهار في شهور، طاقة الكراهية والحقد التي في قلبك ستدمره..)، وبالفعل انخرط صاحبنا في الحزب، وفي غضون شهور فقط.. سقط ذلك الحزب واعتقلوا كل قياداته.

الكراهية نفسها… كانت سببا في وقوع مأساة في الثورة الفرنسية… ففي فرنسا آنذاك كان هناك عالم كيمياء عبقري اسمه (لافوازييه) الملقب بأبي الكيمياء، وكان ثريّا أيضا يصرف ثروته على بحوثه التي ذاع صيتها في العالم.. وهو صاحب نظرية (انخفاظ الكتلة) التي صدعنا بها أساتذة الكيمياء أيام البكالوريا.. (ما علينا!)،.. كان هناك كيميائي آخر يحقد على لافوازييه ويكرهه كره العمى، ويتمنى القضاء عليه بأية طريقة، وبالفعل تمكن هذا الحاقد من تأجيج الثوار الفرنسيين على لافوازييه… عندما كتب عنه مقالا كيديا في صحيفة (صديق الشعب)… وقال بأن لافوازييه عدو الشعب لأنه اختلس الأموال وتهرب من الضرائب… ولأن الثورات عادة ما يقودها بعض الرّعاع… اعتقل (لافوازييه) وحوكم أمام محاكمة شعبية… وعندما حاول المحامي الدفاع عنه على اعتبار أنه قامة علمية… قال القاضي الفرنسي قولته الشهيرة التي أساءت كثيرا للقضاء… (فرنسا لا تحتاج إلى علماء، ولكنها تحتاج إلى عدالة)، وتم قطع رأس لافوازييه فعلا!.

وقال محاميه (قطع رأس عالم لم يستغرق سوى دقيقة في المقصلة، لكن فرنسا عليها أن تنتظر مائة سنة ليولد عالم جديد).

مات لافوازييه بسبب كراهية شخص له!.

أعزائي… كم من شخصيات عظيمة قتلت وسجنت وتعرضت للأذى، وكم من أوطان دمرتها الكراهية والأحقاد.

دعونا نوجه طاقة الكراهية لأعدائنا.. هذا أفضل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق