أراء

أزمتنا ثقافيّة بالأساس.

علي خفيف

كنتُ دائما ولا أزال أعتقد أن أزمتَنَا على جميع الأصعدة، هي أزمة ثقافيّة بالدرجة الأولى.. على مستوى الوعْي والقِيَم، ومِنْ هناك تنتقل إلى السُّلوك والـمواقف، وتنعكس سلباً على التّنـميّة في جـميع الـميادين. إنـّها أزمة أعلاف ومفاهيم وتصورات.. كثيرٌ من النّاس مازال غيرَ مُهَيّـَئٍ للانفتاح الذي يقتضيه العصر، ومازال غير مُهَيَّئٍ للتّعايش ثقافيّا مع غيره، كما أنّه مازال غير قابل للاختلاف مع غيره،ومازال لـم يَتَمثَّلْ -ثقافيّاً- أنّ كونَه جزائريّا يـمثّل هُوِيَّةً قائمةً بذاتـها، مهما كانت رَوافِدُها، ولم يتَمَثَّلْ بعد مفهوم الـمواطنة، التي تقتضي الاصطفافَ تـحت راية الـجزائر، كما أنه لـم يستطع أن يستوعبَ ثقافيّا، فكرةَ أن لا وجود حاليا لِـهُويَـةٍ نَقِـيَّةٍ واحدةٍ، بفعل الانفتاح والتزاوج والعيش الـمشترك، ولم يستوعِبْ أيضا أن التّنوّعَ والانفتاحَ يـُمثِّلُ ثراءً للهُويّة الوطنيّة، وليس تـهديداً لـها ولا انتقاصاً منها..
إنّ نقطة الضّعف الأساسيّة لدى الـمثقّف الجزائريّ تكمن في عدم قدرته على التّأثير الفعلي في الواقع، وفي افتقاده إلى القدرة على النزولِ إلى الـميْدان والاهتمامِ بالشّأن العام والـخروج من القوقعة ومغادرةِ الأبراج العاجيّة.. فإذا استثنينا بعض الـحضور الـمحتشِم، من خلال مبادرات فرديّة لبعض الـمثقَّفين في الصحافة وفي وسائل التّواصل الاجتماعي، فإنّ الـمثقّفين عموماً لا حضور لهم خارج الـمدرّجات الـجامعيّة ومـخابر البحث.. هذا إذا افترضنا أنّ لـهم إضافاتٍ في الـجامعات وفي البحث العلمي الذي يبقى هو الآخر يـخضع للمبادرات الفرديّة و لا يستند إلى رؤية منهجيّة ذات بعد وطني وبعيدة الـمدى …
الـحقُّ أنّ كثيراً من الـمثَقّفين الـجزائريين يـمتلكون ثقافةً فلسفيّةً نظريّةً عاليّة، ولكنّهم لا يلعبون أدوارا مؤثّرة في الـمجتمع ، حيث لابدّ من مُؤَهِّلات لتحويل النظريّات إلى أفكار واقعيّة واستخلاص برامج عمليّة قابلة للتطبيق وفاعلة في الـميدان.. إنّـها فكرة الفاعليّة التي طالـما أثارها مالك بن نبي (فقد تكون الفكرةُ سليمةً ولكنّها ليست فعّالةً لأسباب كثيرة، والعكس..) ثمّ لابُدَّ من القدرة على التّأثير والتّواصل، وتبسيط الأفكار النّظريّة حتى يَفهمَها غالَبيَّةُ الناس، ويتأثّروا بـها لِيَـتـَبـَنَّوْهَا بعد ذلك.. الـمشكلةُ عند الـمثقّفين الـجزائريين أنّـهم حبيسو الـمستوى الأوّل.. مستوى الثقافة النظريّة التي لا تصافح الناس إلا بالقُفـَّازات البيضاء، ولا تنزل من الأبراج العاجيّة، ولذلك تـجدهم لا يكتبون إلا لزملائهم وأمثالـهم من الـمثقَّفين الرسـميين أو بعض الذين تربطهم بـهم صِلاتٌ شخصيّة، ولا يقرؤون إلا لبعضهم..
والنتيجة أَنْ وَجَدْنا انسحاباً شبه عام للمثقّفين من الشّأن العام للوطن، وقد ساهم ذلك، إلى جانبهشاشة السيّاسات الثقافيّة الرّسـميّة للدّولة القائمة على الاستعراض والفولكلوريّة، في تعميق الأزمة الثّقافيّة التي خَرَّبَتْمعنوياتِ الإنسان ومواهبَه،وشلّتْ كلَّ إمكانيّات الـمبادرة والفاعليّة والقدرة على التعايش والتفاعل الايـجابـي لديه،وبعد ذلك امتدّتْ آثارها الكارثيّة إلى كل قطاعات التـنميّة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق