أراءمساهمات

التدين صناعة مجتمعية قابلة للنقد !!

بقلـم : لشموت عمر

تداولت بعض المواقع الكترونية و المساحات على السوشيال ميدبا مقطع من حوار كان أجراه الكاتب و الروائي أمين زاوي مع موقع كل شيء عن الجزائر الناطق باللغة الفرنسية و أدار النقاش الصحفي فيصل مطاوي، جاء في المقطع على لسان أمين زاوي أن الدين يقف حاجزا أو عقبة أمام التقدم و التطور، أكتفت تلك المواقع بعرض ذلك المشهد من الحوار و قص و قطع باقي المداخلة و تمت قراءة هذا التدخل على أن امين زاوي يهاجم الدين الإسلامي الحنيف، لكن لو تتبعنا باقي الحوار نكتشف أن صاحب رواية السماء الثامنة يقصد بكلمة الدين أشكال التدين الانساني و السلوكيات الفردية المرتبطة بالمفاهيم الدينية الناتجة عن القراءات الخاطئة و الغير مستقيمة للدين و لم يكن يقصد من كلمة الدين قيمة روحية-سماوية بل أبعد من ذلك أثنى على الإسلام العقلاني و الصوفي الذي يمثله في ذلك تيار ابن عربي ، ابن رشد ، الفارابي ، المعري ، ابن سينا .

و بعيدا عن الجدل عن دور الاعلام في أداء الوظيفة الدعوية أو الدينية ، أكيد هناك ضبابية في أعين الكثير عن مفهوم الدين كقيمة روحية و رمزية مقدسة و بين الدين كقيمة اجتماعية أو إرث ثقافي تتداخل فيها كثير من العوامل في صياغته و صناعته و بات اليوم السلوك الديني أقرب إلى ظاهرة اجتماعية تصنعها ميكانيزمات عديدة متداخلة و بالتالي إذا ما سلمنا بهذا فتلك السلوكيات و الذهنيات قابلة للنقاش و النقد الذاتي و الحكم القيمي و الأخلاقي .

تستحضرني آية قرآنية و حديث نبوي يرفع الستار و الابهام عن الفجوة الموجودة بين الدين كمعطى رمزي -سماوي و التدين كسلوك فردي نتيجة افرازات البيئة الاجتماعية و الحركية التاريخية او بفعل الظروف السياسية . الاستدلال النصي في هذا المقام أرى أنه الانسب في تقريب المعني و توضيح الفرق و تبسيط المضمون . و رد في الآية الكريمة قوله تعالى :

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ

بعيدا عن القراءة النصية في تحديد مفهوم الاعراب و منزلة الايمان و الاسلام هذه الآية تحدد نموذجين أو قيمتين اجتماعيتين ، الاسلام المدني و الاسلام البدوي . لم ينفي القرآن صفة الايمان عن الاعراب بل استهجن و عارض سلوك إنساني يعكس الانتماء إلى المنظومة البدوية التي تدعي كمال الايمان في حين لم يرتقي مستوى الاداء السلوكي بعد إلى الإسلام الحضري أو المدني ، فالآية تتعدى هنا الإيمان بمفهومه العقائدي و هو إقرار بوحدانية الله و تصديق بالنبوة أو بالمفهوم العشائري كالصلاة و الصيام و الزكاة و الحج بل الأمر يرسم صورة عن الصراع و التصادم و التعارض الحاصل بين قيمتين اجتماعيين و هي الإسلام المدني و الإسلام البداوة بشكله الطبيعي و العفوي، إن الانتقال المصطلحاتي من كلمة يثرب إلى مصطلح المدينة أنتج منظومة سلوكية محددة ومعينة كان على الأعراب ورغم المواصفات كالشجاعة و الكرم و الفروسية إلا أن باقي الصفات تتصادم مع البنية الاجتماعية – السياسية الجديدة كالطاعة و التنظيم و أداء الحقوق و الواجبات وفق عقد اجتماعي معين مقابل الزعامة و العصبية و الحروب و هي صفات البداوة التي أراد الإسلام الحضري ذوبانها داخل النمط السياسي و الاجتماعي و التنظيمي الجديد و مختصر القول أن الآية الكريمة حملت رؤية نقدية لسلوك اجتماعي معين ادعى كمال الايمان و الاسلام . الشاهد الثاني في الحديث ما رواه أهل رواة عن نبي الله محمد ص في وصف طائفة الخوارج : يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ. نلاحظ جيدا الاشادة بجملة من الخصال التعبدية كالصلاة و الصيام و القيام لدى جماعة الخوارج بل أبلغ من ذلك ، وجود حالة التشدد في أداء الشعائر الاسلامية التعبدية مرتبطة بالجوارح لدى طائفة الخوارج حتى بات الواحد يحسد درجات تعبدهم لكن باقي الحديث النبوي يحمل تصور سلبي عن الخوارج و اعتبر الرسول الكريم أن هذه الطائفة أو الجماعة مارقة من الدين بتعبير آخر لا ترتقي إلى المفهوم الصحيح للدين فكريا لا سلوكيا أو أن سلوكياتهم المتشددة قد لا تعكس القيمة النموذجية للدين . إن الحديث النبوي أعطى وصفا ظاهريا عن التطرف و التشدد و المغالاة طبعا دون الاشارة إلى عوامل النشأة و التكوين و التي في الغالب تستمد مرجعتيها من النص القرآني و السني ، فالخوارج هي حركية سياسية ثورية بالمفهوم العصري شكلت الحاكمية محور احتججاتها و عصيانها المسلح ، مختصر البيان أن الخوارج هي حركية اجتماعية أنتجت مجموعة من المفاهيم و القيم في سياق الصراع السلطوي بين الاطراف المتنازعة عن الخلافة . كان النص القرآني/ إن الحكم إلا لله /شعار و محور الحركة الاحتجاجية .، فيه شواهد أخرى يطول سردها من التاريخ الاسلامي تعكس جيدا أن النشأة و البنية العقائدية و الدينية هي نتاج حركية سياسية و و تدافع اجتماعي بل عرقية ايضا . في الخاتمة إن الدين بات اليوم أقرب إلى إرث ثقافي شكلته منظومة فقهية و عقائدية تعاقبت على صناعته أجيال من علماء و فقهاء و مفكرين الكل حسب الظروف التاريخية و السياسية و الجغرافية بل الكثير من الأحكام و المعتقدات كانت نتيجة التحالف بين السلطة السياسية و السلطة الدينية و كانت هذه الاخيرة في خدمة الأنظمة السياسية تتماشى مع أهواء الحكام و الملوك و تمت صياغة الكثير من الافكار و المفاهيم على أنها من الدين الحنيف. و أضحت الكثير من المسلمات هي قيم اجتماعية و مجتمعية لها صبغة دينية مقدسة يفسق و يكفر من يجرأ إعادة النظر فيها . إن الحركية الانسانية عبر التاريخ أخضعت الموروث الديني لما له دور في التجيش و التأييد و المناصرة و تم تأويله وفق ظروف معينة و حاجيات محددة تصب في صالح تلك الحركية و بالتالي محاولة الانتقاد أو النقاش إنما يتناول صناعة سلوك الانسان و ليس دين الاسلام.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق