أراءمساهمات

اتفاقية ايفيان كانت تهدف لفرنسة الجزائريين

الدكتور المؤرح محمد العربي زبيري يكتب لـ"الحوار" نحن التاريخ

الحلقة
قبِلنا الازدواجية في التعليم مع تغليب اللغة الفرنسية في بادئ الأمر، فقادنا ذلك إلى إحداث خليط غير متجانس في عالم الثقافة من جهة، والى شبه انفصال بين مجتمعين متمايزين في داخل الشعب الواحد أحدهما يسعى للحفاظ على أصالته دون التنكُّر للحداثة وللعصرنة وثانيهما يعتبر الأصالة رجعية ويسعى، بكل ما لديه من إمكانيات، للربط مع الواقع القائم في ما وراء البحر. المجتمعان يتحدثان لغتين مختلفتين، ويصبو كل منهما للالتحاق بما يعتقد أنه بعضه المفقود .فهذا يرى نجاته في العروبة والإسلام، وذاك لا يتنفس إلا برئتي المجتمع الفرنسي بكل تناقضاته. وشاءت الظروف التي فرضتها الأزمات المتتالية التي عاشتها البلاد مباشرة بعد وقف إطلاق النار، أن تكون كل مناصب الحل والربط والمناصب الأساسية في سائر هياكل الدولة بين أيدي المتطرفين من المجتمع الثاني، معنى ذلك أن المؤمنين بالعروبة والإسلام لم يشملهم ريح الاستقلال بل ظلوا ومازالوا في موقف المناضل من أجل استرجاع حقوق وقع السطو عليها بأساليب مختلفة وتحت ذرائع متعددة.
لقد كانت جبهة التحرير الوطني، في بدايتها، حركة جهادية مقاتلوها هم المجاهدون وقتلاها هم الشهداء ومعاركهم تستهل بالتكبير والدعوة إلى الاستشهاد .وكانت سلوكيات المجاهدين هي سلوكيات المسلم الصالح. لكن الأمر، بعد وقف إطلاق النار، قد تغيّر بطريقة يصعب تفسيرها. تسربت الإغراءات المختلفة عبر الحدود الشرقية والغربية ولم يكن ثمّة رقيب، لأن حارس القيم والأخلاق وضابط السلوكيات والتصرفات أُجبِر على الانسحاب أو فضَّل ذلك خوفا من أن يكون سببا في إراقة الدماء.
هكذا، إذن، استرجعت الجزائر استقلالا سياسيًا محاطًا بكثير من الضبابية ومفتقرا إلى وضوح إيديولوجي. فمؤتمر طرابلس أوصى بأن يعقد مؤتمر وطني لجبهة التحرير الوطني في داخل التراب الوطني لا ينفض إلا بعد أن يقتل جميع القضايا العالقة بحثا ودراسة. والواقع أن المجلس الوطني للثورة الجزائرية، في ذلك الوقت، أراد أن يقول إن أفضل الحلول لمشاكلنا، إنما هي تلك التي تأخذ في الاعتبار إمكانيات البلاد وواقع الجماهير الشعبية.
إن المؤتمر الوطني الموصى بعقده لم يقع بسبب الخلافات السياسية والإيديولوجية التي ظهرت بعنف على الساحة والتي لم تحسم بواسطة الحوار والإقناع بل عن طريق القوة وإراقة الدماء، الأمر الذي جعل كثيرا من القياديين الأساسيين في جبهة التحرير الوطني يلتزمون بيوتهم أو يختارون طريق المنفى تاركين فراغا كبيرا سرعان ما ملأته أنواع الفوضى والارتجال والاضطراب.
لقد بادر المكتب السياسي، المفبرك والمنقوص منذ البداية، إلى وضع قائمة المرشحين لعضوية الحكومة والمجلس الوطني التأسيسي، لكن المبادرة لم ترق إلى مستوى الثورة ولذلك بدأت العثرات وفتحت الأبواب واسعة أمام أطراف الثورة المضادة التي كانت سلطات الاحتلال السابق تدعمها بجميع الوسائل بهدف إجهاض الثورة التي وردت معالمها في بيان أول نوفمبر.
ولأن العمل كان مرتجلا ولم يعتمد منظومة أفكار جبهة التحرير الوطني، فإن العثرات سرعان ما تحولت إلى عقبات وصراعات ترتبت عنها هزات خطيرة تمثلت أشدها في استقالة رئيس المجلس الوطني التأسيسي ومسئول التنظيم في المكتب السياسي الذي أصبح يسير بشخص واحد ينفذ أوامر رئيس الحكومة. وجدير بالذكر أن كل ذلك سهل على مناهضي الثورة و”الحياديين”الظفر ببعض المناصب القيادية في الإدارة والحزب، وخلط الأوراق كي لا يحاسب أغلبية المغضوب عليهم من طرف أجهزة الثورة.
وكانت السنة المذكورة كفيلة، كذلك، بإرساء قواعد الغزو الثقافي في الجزائر إذ قادت اتفاقيات أيفيان إلى فرض الازدواجية في سائر مراحل التعليم مع تغليب اللغة الفرنسية، وفرضت اللغة الفرنسية، أيضا، في قطاع العدالة والإدارة، وترتب عن ذلك إقدام أصحاب الحل والربط على تعيين الأغلبية الساحقة من مسئولي المؤسسات الوطنية من بين المتعلمين باللغة الفرنسية فقط. أما المتعلمون باللغة العربية فإنهم صاروا يهمشون أو تسند إليهم المناصب الدنيا التي لا تأثير لها في حياة الدولة. وحتى عندما اتخذت، فيما بعد، قرارات التعريب في مراحل التعليم، فإن إدارة المؤسسات المشرفة عليه لم تسند إلا للمتفرنسين. وعلى الرغم من ذلك، فإن أعداء اللغة العربية يقولون اليوم ” إن اللغة العربية هي سبب التخلف في الجزائر”.
وفي تلك السنة، كذلك، همشت جبهة التحرير الوطني كتنظيم جماهيري بدأ يتغلغل في أوساط الجماهير الشعبية، وحيدت إطاراتها عن المناصب الأساسية التي أسندت، في أغلبيتها، إلى العناصر التي تكونت في أحضان مؤسسات الاحتلال.
تلكم الأوضاع المزرية هي التي سمحت لمجموعة من المتشبعين بمنظومة الأفكار الماركسية أن يلتحقوا ببعض مناصب الحل والربط خاصة إلى جانب رئيس الحكومة الذي كان يتحكم في جميع الميادين. وعلى هذا الأساس،أتيحت لهم فرصة صياغة مشروع المجتمع الجزائري الجديد ومشروع الدستور الذي سيحظى بالمصادقة على أعضاء المجلس الوطني التأسيسي والذي سيتسبب في استقالة الرئيس فرحات عباس.
لم ينتبه أولائك جميعهم إلى أن الأفكار لا تنبت إلا في التربة الملائمة لها. والشعب الجزائري المسلم كان أبعد ما يكون عن تبنّي كثير من الأفكار الواردة في ميثاق الجزائر، ولم تكن للنظام الجزائري الجديد تشكيلة سياسية قادرة، بمناضليها وقياداتها على تحقيق التوجه الجديد، علما بأن جبهة التحرير الوطني، كحركة قائمة بذاتها وفاعلة في سائر أنحاء القطر خاصة، قد اختفت ليحل محلها، نظريا، أشتات حزب يختلف عنها اختلافا جذريا سواء من حيث التكوين البشري أو من حيث المحاور الكبرى التي اعتمدت لبناء المجتمع الجزائري الجديد وفقا لما جاء التنصيص عليه في بيان أول نوفمبر سنة 1954.
كان أصحاب مشروع الحزب الجديد يلتفون حول رئيس الحكومة الذي لم يكن له وعي سياسي ولم يكن قادرا على فهم الأوضاع الجديدة التي أوجدتها تجارب الثورة في سائر أنحاء الوطن. صحيح، أنه كان مناضلا في صفوف حزب الشعب الذي هيأه ليكون مسئولا في المنظمة الخاصة، لكنه لم يمارس النضال في أوساط الجماهير الشعبية التي طرأ عليها تغيير كبير جراء الانتصارات التي حققتها جبهة التحرير الوطني أثناء فترة الكفاح المسلح. وزيادة على ذلك، فإنه قضى سنوات طويلة في سجون فرنسا التي كانت، في الحقيقة، فرصة لا تعوض بالنسبة للمعتقلين الأربعة كي يتابعوا تطور الأحداث عن كثب وبترو ويوظفوا وقتهم، كله، لوضع برنامج سياسي متكامل يعرضونه، لدى خروجهم من المعتقل على أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية. كان ذلك هو المنتظر لكنه لم يحدث لأن حب الجزائر لم يكن قبل كل شيء.
إن ذلك لم يحدث، أيضا، لأنهم فقدوا روح النضال التي تفرض الانضباط واحترام سلم المسئوليات. وبدلا من التعاون وتضافر الجهد لخدمة الصالح العام فإنهم ظلوا يتصارعون مثل الأطفال على من يشغل المنصب الأول الذي كان بينا عندما نرجع إلى الفترة التي سبقت اندلاع الثورة والتي تؤكد أن المسئولية تعود إلى محمد خيضر وبعده إلى آيت أحمد قبل أن تصل إلى أحمد بنبله.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق