أراء

هكذا حدثت الردة بعد الاستقلال

الدكتور و المؤرخ محمد العربي زبيري يكتب لـ"الحوار" ..نحن التاريخ

الحلقة 5

  • ديقول فتح الأبواب واسعة أمام المتفرنجين والمدسوسين في صفوف جيش الحدود ليتولوا شغل المناصب الأساسية في الدولة

  • انقلاب الثاني والعشرين جويلية وقع في إطار مخطط الجنرال ديقول

  • ما وقع في الثاني والعشرين جويلية انقلاب على الثورة و ليس على اتفاقية افيان

 

إن هذه الفكرة، أي عرض الزعامة المطلقة على واحد ممن يسمون التاريخيين، هي التي ستؤدي إلى توقف أشغال المجلس الوطني واشتعال نيران الفتنة في بعض أوساطه واستمرار ذلك إلى ما بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء. حينها كان واجبا الرجوع إلى الحكومة المؤقتة التي ظلت قائمة بعد أن جدد لها المجلس ثقته المطلقة، لكن قيادة الأركان دفعت أحمد بن بلة إلى تشكيل مكتب سياسي من الخمسة التاريخيينزائد الحاج بن عله والعقيد محمدي السعيد. لم يكن ذلك في صالح الثورة، بل خطوة عملاقة في طريق الردة وتنفيذ المخطط الجهنمي الذي كان الجنرال ديغول قد أعده عندما شرع في إرسال المدسوسين.

وإذا كان السيدان محمد بوضياف وحسين آيت أحمد قد رفضا الدخول في المعمعة منذ البداية وتنكرا للانقلاب الذي اعتبراه وأدا للثورة وفتحا لباب المغامرات القاتلة، فإن الأعضاء الباقين قد وافقوا على العمل في إطار مكتب منقوص وبعيد كل البعد عن الواقع، لأن أربعة أخماس العدد كانوا معتقلين وبعيدين كل البعد عن مسار الثورة وعن التغييرات التي وقعت في أوساط الجماهير الشعبية الواسعة، فالوحيد الذي كان خارج المعتقل كان، في الوقت نفسه، خارج الوطن وبعيدا عن المشاركة الفعلية في تسيير شؤون الثورة، بالإضافة إلى كونه لم يتدرب على العمل السياسي لا قبل الثورة ولا خلال فترة الكفاح المسلح.

كانت الحكومة المؤقتة هي الهيئة الشرعية الوحيدة القائمة عندما تم الإعلان عن نتائج الاستفتاء، لكن رئيسها لم يتشجع على مواجهة الانقلابيين خوفا من الواقع الذي سيفرض على البلاد مباشرة بعد الإعلان الرسمي عن تشكيل المكتب السياسي، كان ذلكم الواقع هو الدخول في حرب الأشقاء التي ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة شباب الجزائر، وتصدع بنيان الأخوة والتضامن، وانهارت روح الوحدة الوطنية التي سوف لن تعود أبدا.

هناك من يزعم أن ما وقع في الثاني والعشرين جويلية إنما هو انقلاب على اتفاقيات إيفيان، وهو زعم لا أساس له من الصحة، لأن المادة الأولى  في نص تلك الاتفاقات، تؤكد أن الدولة الجزائرية تمارس سيادتها المطلقة في الداخل والخارج وفي جميع الميادين، خاصة منها الدفاع الوطني والسياسة الخارجية“. ولمن يعود بالدرس والتحليل لما حدث في الجزائر يتأكد من أن نظام الحكم الذي جاء بعد الانقلاب المذكور إنما هو من فتح الأبواب واسعة أمام الغزو الثقافي وعودة الاحتلال الفرنسي يعشش ويفرخ في جميع الميادين، حتى أن الإنسان لا يصدق أن البلاد قد تخلصت من الهيمنة الأجنبية، وأن الاحتلال الفرنسي لم يعد موجودا خاصة عندما ننظر إلى الدوائر العليا التي لم تعد تخفي انتماءها إلى فرنسا، والتي أصبحت لا تتحرج في إسناد مناصب المسؤولية إلى كل من تشتم فيه رائحة التبعية والقبول، وذلك في جميع الميادين، وهو الأمر الذي صار يدفع الأجيال الصاعدة إلى التكلف خوفا من التهميش.

هكذ، وبالرجوع إلى ما حدث في الأسابيع الأولى التي تلت وقف إطلاق النار والمجازر التي أشرف عليها ضباط من المدسوسين، والتي كانت تنبئ بالدمار والخراب، فإن الخوف من استفحال الحرب الأهلية هو الذي جعل قيادات الثورة في الداخل ومعهم المسؤولين الفاعلين في المؤسسات المطاح بها يلازمون الهدوء ويقبلون بالأمر الواقع رغم إيمانهم بأنه يقضي على روح الثورة. لقد كان القرار صعبا ومحرجا في الوقت نفسه، خاصة وأن البلاد كانت تحاول تضميد الجراح التي تركها اثنان وتسعون شهرا من الكفاح المسلح.

ومما ضاعف المخاطر ازدياد نشاط المنظمة المسلحة السرية التي كانت تحظى بدعم كثير من الضبط السامين في الجيش الفرنسي وزعماء اليمين الفرنسي المتطرف الذين لم يستسيغوا انتصار جبهة التحرير الوطني، معتقدين أن الجنرال ديغول تنازل بمحض إرادته عن الجزائر الفرنسية، والذين كانوا يهدفون إلى توظيف الأعداد الغفيرة من الخونة الجزائريين المسلحين منهم والمدنيين على حد سواء.

صحيح أن أعداد هذه الفئة الأخيرة كانوا كثرا لكنهم لم يكونوا صنفا واحدا من حيث تشبعهم الإيديولوجي، إذ كانت أغلبيتهم ترتدي الزى العسكري الفرنسي نتيجة الجوع أو الخوف والجهل. أما المدنيين فكان بعضهم نتيجة الوسط المتفرنج، يرفضون أن تكون هناك غير الجزائر الفرنسيةبينما يدخل البعض الآخر ضمن المع معيين الذين لا تفكير لهم ولا رأي أو الذين يؤمنون بالادعاء الفرنسي القائل إن الجزائر لم تكن، أبدا، دولة بل فقط قبائل متنافرة متناحرة تنتظر القوة الخارجية التي تسيطر عليها. إن هؤلاء هم من بقايا الذين كانوا يقولون: إنهم يرفضون الموت من أجل كيان لا وجود له.

وبالعودة إلى الجنرال ديغول الذي يتهمه المتطرفون من اليمينيين الفرنسيين وأبناء الحركى، اليوم، بأنه خان فرنسا عندما تفاوض مع جبهة التحرير الوطني، فإنه كان، منذ عودته إلى الحكم سنة 1958، قد وضع مخططا جهنميا لإفراغ الثورة من محتواها ولفتح الأبواب واسعة أمام المتفرنجين والمدسوسين في صفوف جيش الحدود ليتولوا شغل المناصب الأساسية في الدولة بعد الإعلان عن استرجاع السيادة الوطنية، وهو الأمر الذي تم بالفعل والذي سيكون سببا في إجهاض الثورة الحقيقية وزرع  الألغام المختلفة في طريق البناء والتشييد الحقيقيين، وإعادة بناء الدولة التي ضبط معالمها بيان أول نوفمبر سنة 1954، والتي كان يحلم بها شهداؤنا الأبرار ورفاقهم المجاهدون الأوائل.

لقد وظف الجنرال ديغول، إلى أبعد الحدود، مخطط شال الذي وضع تحت تصرفه جميع إمكانيات فرنسا العسكرية والذي يجب الاعتراف له اليوم بأنه حقق نجاحا كبيرا وألحق أضرارا جسيمة بجيش التحرير الوطني، خاصة وأنه بدأ يطبق عندما أحكم غلق الحدود الشرقية والغربية وأصبح من الصعب جدا وصول الإمدادات العسكرية إلى سائر الولايات. ومن الجدير بالذكر، هنا، أن أغلبية وحدات جيش التحرير الوطني التي حاولت اجتياز السدود المكهربة قد استشهد معظم أفرادها، على غرار التجربة التي قام بها الرائد الشهيد: عبد القادر البريكي (نسبة إلى مدينة بريكة).

 ووظف الجنرال ديغول، كذلك، مخطط قسنطينة الذي استطاع إرباك المجتمع الجزائري وزرع الشك في بعض الأوساط التي صارت تعتقد أن الإنجازات الاقتصادية والاهتمامات بالجوانب الاجتماعية قادرة على إرباك المساعي الثورية، غير أن كل تلك المحاولات، رغم ما استهلكته من وسائل مادية وبشرية، لم تحقق للجنرال مراده،  بل على العكس، فإنها جعلته، جراء ذلك، يقتنع بأن المشكل الجزائري إنما هو قضية سيادة وطنية واسترجاع استقلال وطني، كما كان أشار إلى ذلك الدكتور محمد الأمين دباغين، أمام أعضاء البرلمان الفرنسي في نهاية أربعينات القرن الماضي، الأمر الذي أرغمه على قبول التفاوض مع جبهة التحرير الوطني. وعليه، فإن رئيس الجمهورية الفرنسية إنما كان مضطرا لتغيير موقفه والانصياع لعدوه، كما أكد ذلك في مذكراته وكما شرح لوفد اليمينيين المتطرفين الذي زاره بقيادة المارشال جوان  للاحتجاج على التفاوض مع جبهة التحرير الوطني.

وعندما يرجع الدارس المحقق إلى وقف إطلاق النار وما ترتب عنه من مناورات وما أحاط به من غموض ومن فوضى واضطراب، لا يسعه إلا الاعتراف بأن انقلاب الثاني والعشرين جويلية إنما وقع في إطار مخطط الجنرال المذكور، لأنه وضع حدا للمؤسستين الشرعيتين، الحكومة المؤقتة والمجلس الوطني للثورة الجزائرية، وزرع بذور الفتنة التي ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الجزائر، وإتلاف عناصر الثقة والألفة والأخوة التي كانت تشكل، بالفعل، إسمنت الوحدة الوطنية.

       إن جبهة التحرير الوطني قد ظلت وفية للخطوط العريضة الواردة في بيان أول نوفمبر 1954 رغم بعض الانحرافات التي أصابت النصوص الأساسية، خاصة بعد أن التحقت مجموعة من العناصر الشيوعية واللائكية بصفوف الثورة خارج حدود الوطن. وكان من الممكن إصلاح الضرر وتقويم الإعوجاج لو لم  تتمكن الثورة المضادة من إشعال نار الفتنة المتمثلة فيما اصطلح على تسميته بأزمة صائفة 1962 .

كانت الأزمة التي تضرب جذورها الحقيقية في أول عصيان قامت به قيادة الأركان ضد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، تتويجا لحركة انقلابية تمكن، بموجبها، جيش الحدود من الاستيلاء على السلطة الفعلية في الجزائر. وللتخفيف من الصدمة وإعطاء العملية مظهرا مدنيا جيء بالرئيسين أحمد بن بلة وفرحات عباس اللذين خيل لهما أنهما يستطيعان إرساء قواعد الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية بالنسبة للثاني، والديمقراطية  الشعبية بالنسبة للأول.

إن المخططين الحقيقيين للحركة الانقلابية، يومها، لم يكونوا من أبناء جيش التحرير الوطني، بل كانوا عناصر فاعلة من قوى خفية  تنفذ أوامر الاستعمار الجديد الذي وجد أن أفضل سبيل للقضاء على جبهة التحرير الوطني إنما يكمن في مدى القدرة على تأجيج نيران الفتنة بين الأشقاء بواسطة قوى الاختراق المكونة من عناصر مدسوسة في ظاهرها الرحمة ومن باطنها ألسنة اللهب التي تقضي على الأخضر واليابس.

ولأن التخطيط كان محكما، فإن الحركة الانقلابية تمكنت، بسرعة فائقة، من القضاء على مؤسسات جبهة التحرير الوطني وسائر تنظيماتها العاملة في كافة أنحاء البلاد، وحولت جميع صلاحياتها إلى التنظيمات التي كان الاحتلال الفرنسي قد أوجدها لمحاربة الثورة.

 

يتبع..

 

مقالات ذات صلة

إغلاق