أراء

الشُّهداء يعودون هذا الأسبوع

أثار الرّوائيّ الكبير الطّاهر وطّار في قصّته “الشّهداء يعودون هذا الأسبوع” السؤال: ماذا لو عاد الشهداء؟..مُلخَّصُ القصّة أنَّ بطلَها،عمّي العابد بن مسعود الشّاوي،يتسلّمُ رسالةً آتيةً من بعيد،فيتخيَّلُ أنَّ ابنَهُ الشهيد مصطفى راسَلَهُ لإخباره بأنَّه قادِمٌ بعد أسبوع، ويَشرَعُ في مُسَاءَلةِ كلِّ من يلتقي به من أعيان البلدة عن موقفه من عودة الشهداء، كمايلي (باختصار وتصرّف):

 

– سي عبد الحميد، شيخ البلديّة ومدير مدرستها: ماذا يكون موقفك لو يعود شهداء البلديّة؟ يسأل العابد.. يلاحظ العابدُ ارتباكَ رئيس البلديّة، فيقول في نفسه: لن أحدِّثَـهُ عن ابني مصطفى فهو الذي اغتال أباه الـخائن.. يخفي سي عبد الحميد ارتباكَه قائلا: الأمر بالنسبة إليّ بسيط، إنهم مُسجّلون في سجلّ الوفيات، وعليهم أن يثبتوا حياتهم من جديد، ولن يتسنى لهم ذلك حتى تنتهي مدّة انتخابي على الأقل!..يقول عمي العابد : ولكن الأمر يتعلق بالشهداء، بمجاهدين حقيقيين.. يجيبه شيخ البلدية بـخبث: لن يـمرّ عليهم أسبوع حتى يتزيّفوا، سيؤولون إلى ما آل إليه غيرُهم، ثم يمضي مستعجِلا، يرمقُه العابد ويقول: ابن خائن، سكان البلديّة كلُّهم يعرفون أنّه ابن خائن، ولكنّهم صوّتوا لصالحه بالإجماع لأنّه متعلّم، حتى أنا صَوَتُّ لصالحه!..

 

سي الـمانع، مسؤول القسمة: ابني مصطفى سيعود هذا الأسبوع، قال العابد.ماذا تقول؟ سَرَحَ بعيدا مـحدِّثاً نفسه: هل مصطفى حيّ؟ لستُ أدري من بلّغَهُ أنني وَشَيْتُ به إلى العدو عندما كان يأتي إلى بيتي في البادية؟ نَصَبَ العسكرُ له كمينا لـمدّة شهر ولكنّه لم يحضر،بعدها أرسل لي رسالة يقول فيها: مصيرك الموت يا خائن وطنه، من أجل ذلك انتقلتُ إلى الـمدينة خوفا على حياتي، ومن حسن حظي أنّه توفي بعد شهر من ذلك.. استفاق سي المانع من ذهوله سائلا: من أين علمتَ بأنّ مصطفى حيّ يا عمي العابد؟ قال العابد: رَأَيْتُه في الـمنام هذا الصباح.. عندها تنفّس الصعداء واعتذر مسرعا، ولكنّ العابد استوقفه: لم تجبني عن موقفك إذا عاد الشهداء؟فأجابه:أُقدِّمُ لهم ملفات الانـخراط في الحزب، مع التصريح بالالتزام للسلطة الثوريّة، وإذا كانت تتوفر فيهم الشروط سيُقْبَلون كمناضلين!.. قال العابد متعجِّباً:حتى الشهداء يخضعون للشّروط؟ فيجيبه سي المانع: كل الناس سواسية امام القانون يا عمي العابد.. يـمضي العابد وهو يحدّث نفسه: ترى ماذا يقولون في دقائق الصمت التي يقفونـها تَرَحّـُماً على أرواحهم؟ هل يقولون: تَغَمَّدَكُم الله برحمته أيها الأبطال.. أم يقولون: أيها الرب إنّك لطيف بعبادك لأنّك أَرَحْتَنَا منهم!..

منسّق قسمة قدماء الـمجاهدين: رجُلٌ معروفٌ ببطولاته أثناء الثورة، ذهل عندما أخبره عمي العابد بعودة مصطفى الوشيكة.. أطرق وهو يُفَكِّرُ بحزن ظاهر، لعلّه كان يقول في نفسه: سيتعب مصطفى كثيرا، لأنّ كلّ شيء تغيّر، حتى زوجتُه تزوّجها أخوه الأصغر، وأصبحت أمّا لأربعة أولادٍ بَعْدَهُ.. لو كانتْ العودة في السنوات الأولى للاستقلال لكانت مقبولةً، أما الآن فالوقت متأخّر.. التفتَ إلى  العابد قائلا: إن استطعتَ الاتصالَ به، انصحْهُ بِعَدَمِ العودة إلى القرية.. أرض الله واسعة، قل له يتدرّب على الحياة في مكان آخر على الأقل!..

رئيس القبّاضة: عودة الشهداء ستُحدِثُ فوضى كبيرة، ستطالبُ الخزينةُ أهاليهم بتعويض الـمنح التي يتسلّـمونها كل شهر، وسيرفض كثير منهم التعويض، وستترتب عن ذلك مشاكل قانونية واجتماعيّة!..

مسؤول الفرع النقابي: كان مع عمي العابد في السجن الاستعماري، كان الفرنسيّون يومها يسمّونه “الكومينيست”.. أجاب على سؤال عودة الشهداء بقوله: سيكون موقفي بـحسب الأفكار التي يـحملها هؤلاء حين يعودون!..

أخ مصطفى الأصغر، الذي تزوّج أرملته، كاد يغمى عليه عندما سمع الخبر..

يستنتج عمي العابد أن لا أحد يريد عودةَ الشّهداء، لا الـمخلص، ولا الـمـناضل، ولا الانتهازي، ولا الـخائن، لا القريب ولا البعيد.. يُصَابُ إثرها بِنَوْبَةٍ، وينتهي به الحالُ مَيِّتاً دهْسًا في سكة القطار!..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق