أراء

المدينة الذّكيَّة

حدَّثَني صديقٌ عن الـمدينة الذكيّة قال:وَصَلْتُ إلى الإدارة على السّاعة الثامنة، سبقتُ الـموظّفين الذين بدأوا في الوصول بالتّقسيط الـمُـمِلّ، قيل لي إنّـهم لا يستقبِلون فور وصولهم، لابدّ لـهم من وَقْتٍ لـمراجعة الـملفّات وإعداد خطط العمل الـخاصّة باليوم الـجديد، على الساعة العاشرة استقبلتْني سيِّدةٌتبدو ذات خبرة:

– تفضل سيدي، بـماذا أخدمك؟

  • شكرا سيّدتي، أريد استخراج الوثيقة الفلانيّة، وها هو الملف.

تصفَّحَتْ الوثائق جيّدا، ثم قالتْ: ملفُّك كامل، ولكنّ استخراج الوثيقة يأخذ وقتاً، لأننا نبعثُها إلى الإدارة الـمركزيّة من أجل التوقيع، قلت لها: بعد كَمْ من الوقت أعودُ إليكم؟ قالت وهي تناولني وصلا باستلام الـملف: حوالي ثلاثة أشهر.. شكرتـُها، وقبل أن أغادرالتفتُّ، فرأيتُها تضع ملفي في دُرْجٍ جانبيٍّ متآكلٍ في إحدى الزوايا الـمُهمَلة من الـمكتب..شغلتْني شواغلُ، فلم أعد إلى تلك الإدارة إلا بعد سَنَةٍ بالتّمام، وعندما دخلتُ الـمكتبَ نفسَه، استقبلني هذه الـمرّة شابٌّ ظريف:

– تفضّل سيّدي، بـماذا نـخدمك؟

  • شكرا سيّدي، أريد الوثيقة الفلانيّة، وأعطيتُه الوصل..

أخرجَ مجموعةً من الـملفّات وأخذ يبحث بينها، فلم يعثر على شيء..قال لي: ملفّك بعثناه إلى الإدارة الـمركزيّة، لم يعيدوه إلينا بَعْدُ، أنت تعرف البيروقراطيّة.. قلت: ماذا أفعل؟قال: عُدْ بعد شهر. قُلتُ: شكرا.. عُدْتُ بعد شهر: ناولتُه الوصل، أَخرجَ الـملفّاتِ نفسَها التي فتّش بينها في الـمرة السابقة، فلم يَعْثُرْ على شيء.. توجَّهَ نـحوي بشيء من التعاطف ثـمّ قال: أنت تعرف البروقراطيّة في الإدارات العليا، للأسف لم يُعِيدوا ملفَّك بَعْد.. قلت له: ماذا أفعل: قال: عُدْ بعدَ شهرٍ آخر.. خرجتُ، ولكنّني عزمتُ هذه الـمرّة على الذهاب إلى الإدارة التي ظلّ ملفّي عالقا عندها.. استقبلتْني سيِّدَةٌ، عرضتُ عليها مشكلتي، بَـحَثَتْ عن ملفّي فلم تـجدْهُ، رجعْتُ في الغد إلى الإدارة السّفلى: استقبلني الشّابُّ الظّريف قائلا: لـماذا جئت قلتُ لك عُدْ بعد شهرآخر؟..قلتُ: ذهبتُ إلى الإدارة الـمركزيّة، فلم أجد ملفّي، ثار غاضبا، وقال: لا يـمكن أن يـحدث هذا، أنا متأكّد من أنّ الـملفّ عندهم، ولكنّهم بيروقراطيّون، ولا يحترمون الـمواطن!..

خرجْتُ من مكتبه، عائداً إلى الإدارة الـمركزيّة لـمقابلة الـمدير، الذي أحالني على السيّدة التي استقبلتْني بالأمس،فقالتْ لي: ارجع إليهم، يعطونك رقمَ الارساليّة وتاريخَها، حتى نستطيع أن نجد ملفَّك إذا كان عندنا حقًّا.. رجعْتُ إلى الشّابّ الظّريف، قلتُ له: قابلتُ الـمدير العام: وطلب منّي رقمَ ارسال الملفّ وتاريخَه لكي يتسنّى لهم إيجاده.. تناول الشّابُّ الظّريف سِجِلّا وأخذ يتصفّحُ أوراقَه، بدأتْ علاماتُ الارتباك تظهر عليه، قال لي: ربّـما يكون ملفُّك قد تمّ إرسالُه قبل أن آتي أنا إلى هذا الـمكتب، نادى السيّدةَ التي تسّلّمتْ الـملفَّ في العام الماضي، ساعَدَتْهُ في البحث، فلمّا لم تجد شيئا، قالت: أنا متأكّدة من أنّ ملفّك قد أرسلناه، ولكنّنا كنّا نُرسلُ لهم الـملفّات دون تسجيل عملا بـمبدأ الثقة، غير أنّهـم أثبتوا أنّهم ليسوا أهلا للثّقة!.. ارجع إليهم إنّ ملفّك هناك..

عندها تذكّرتُ ذلك الدُّرْجَ الـمُهمَلَ في تلك الزاويّة الـمُهمَلة، فقلتُ للشّاب الظّريف: لو سمحتَ، افتحْ ذلك الدّرج، نظر إليّ باستغراب ثـمّ فَـتَحهُ بفضول، فإذا مِلفّي هناك مع بعض النّفايات!..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق