أراءمساهمات

آخر مباراة لبن بلة

صدر عن منشورات البرزخ رواية عبد القادر جمعي عنوانها “le jour où pelé”، يحكي فيها الروائي يوميات الشاب نور الدين في محيط مدينة وهران.

طوال الليل، يتمدد نور الدين على فراشه ، يفكر في الغد ، لم ينقطع عن شغل باله بمقابلة الغد المرتقبة ، أخيرا سيرى الأسطورة ، سيشاهد أمام عينه الحكاية الخيالية ، سيتابع على المباشر لاعبه المفضل بيليه والفريق البرازيلي. لم ينم تلك الليلة ، خيوط الضوء الصباحي تقتحم النوافذ الخشبية ، يقفز بسرعة ، يتناول قهوته الصباحية بسرعة أيضا ، يلقي نظرة خاطفة على والده المريض طريح الفراش ، الراديو يرسل عبر أمواجه الأخبار والإشاعات والأغاني الوطنية.

القناة الثالثة تتحدث عن مجيء الفريق البرازيلي، يقول المذيع أن رئيس الجمهورية السيد أحمد بن بلة وجميع إطارات الدولة سيكونون حاضرين في العرس الكوري الذي سيقام في الملعب البلدي الحمري. وهران على وقع يوم تاريخي .

السنة هي 1965 ، نور الدين صاحب سبعة عشر سنة ، شاهد على مرحلتين ، الزمن الأوربي والأيام الأولى للاستقلال الوطني، هل هي الصدمة أم السعادة ؟ .

يحاول الروائي عبد القادر جمعي في نصه السردي رسم معالم المدينة الأوربية، سلوكيات ساكنيها ، نمط معيشة أفرادها ، إيقاع المدنية ، جنسية مواطنيها ، لغة أهاليها ، في المقابل يرسم التحولات السكانية و السلوكية في المدينة بعد الاستقلال .
يقف نور الدين على مفترق الطرق بين زمنين ، يروي تفاصيل عن المكان ، كيف كانت و كيف أصبحت ، أسماء الأمكنة سابقا وأسماءها اليوم . أسماء فرنسية تتحول إلى أسماء عربية ، ماذا تغيير ؟ هل هي القطيعة ؟.

بداية المقابلة الكروية الساعة التاسعة مساء ، يرسم لنا صاحب الرواية وعبر شخصية نور الدين ، يومياته في مدينة وهران ، يشخص فيها الشوارع والأزقة ، ويرحل بنا عبر التاريخ ويسافر في جغرافيا الأرض ذاكرا المأكولات الشعبية وطقوس هذه المنطقة.

مقهى الحاج بوعزة له نكهة خاصة ، من الزمن الثوري إلى الزمن الاستقلال ، المكان شاهد على لحظات تاريخية ، لا شيء تغير في هذا المكان ، هو فضاء ومدرسة سياسية وتاريخية ، يجلس الحاج بوعزة على كرسيه يقرأ جريدة الجمهورية ، الكل يتابع الأخبار ، المصالحة بين جبهة التحرير الوطني وجبهة القوى الاشتراكية ، حديث الساعة .

يتذكر نور الدين انتقاله من حوش بن عودة إلى الشقة الجديدة ، يقارن بين الحياة التعيسة في الحوش والحياة في العمارة الأوربية، يؤلمه فراق أصدقاء الطفولة والذكريات الجميلة ويسعده اتساع الفضاء الجديد، لكن لا تزال الأشباح الأوروبية تعيش بين أحضان هذه الجدران ، هكذا يتخيل أحيانا.

يوم المقابلة كان يوم الموعود بل كان يشبه يوم الحشر ، الجماهير من كل فج عميق تسير نحو المدرجات ، 45000 متفرج لا 60000 متفرج ، نور الدين يختار الزاوية بعناية ، يريد متابعة أدق تفاصيل المقابلة ، لا يريد أن تضيع منه أي جزئية من هذا اللقاء التاريخي الذي يريد صقله في ذاكرته كعنوان لمعنى الحرية ، فلولا الحرية ما شهد هذه المقابلة و لا رأى بيليه وكرينشا يوما .

تبدأ المقابلة و يسجل بيليه الهدف ،لحظات بعدها يلتحق بيليه بكرسي الاحتياط ، إنها خيبة الجماهير و تستمر المقابلة النتيجة 3 لصفر لصالح البرازيل .. الجماهير غاضبة تعلو فيها أصوات ضد بن بلة .. كيف يمكن أن يحصل هذا ؟ ..

تتفرق الجماهير بعدها في هدوء ، يعود نور الدين إلى البيت ، يعيد تفاصيل المقابلة بدقة ، يريد أن يعيش تلك اللحظات للمرة ثانية وثالثة، لا يريد أن ينسى.. يريد تمديد اللقاء إلى غاية أن يسجل مخلوفي هدفا .هي لحظات ليست كباقي المحطات في حياة نور الدين.
صبيحة يوم السبت 19 جوان 1965 الأخبار مقلقة ، ملامح الرجل شاحبة على التلفزة الوطنية ، بالأبيض و الأسود رجل نحيف الوجه يقرأ من على ورقة خبر اعتقال بن نبلة وإعلان التصحيح الثوري. يستقر الخوف و الارتباك في المدينة، إنها بداية الصراع و المطاردة و الاعتقالات. يخطو نور الدين خطوات مثقلة تجاه الواجهة البحرية يفكر كيف سيكون الغد ؟

بقلم: عمر لشموت

مقالات ذات صلة

إغلاق