أراء

بين الكوزينة والذِّهنيّات اللّعينة

تابعتُ في الأيّام الـماضيّة نقاشاً حول حادثتَيْن تَدَاوَلَــتْهُـمَا وسائلُ التّواصل الاجتماعيّ كثيرا، وتـحملان دلالاتٍ عميقةً يجبُ الاستفادةُ منها في تحليل طبيعة مـجتمعنا، لتفادي الوقوع في انزلاقات خطيرة .. كانت الحادثة الأولى الاعتداء  قُبَيْل الإفطارِ في رمضان، على فتاةٍ كانت تـُمارسُ الريّاضةَ في مكانٍ عامّ، من طرف شخصٍ ليس من عائلتِها ولا مُكلَّفٍ من الدولةِ للقيّام بـمثل هذه الـمُهِمّات، وكانت حـجّتُه هي احترام الآداب العامّة، قائلاً لـها: مكانك يـجب أن يكون الآن في الكوزينة (الـمطبخ) وليس هنا!. وهنا يُطرح السؤال: هل كلّ شخص في الشّارع يـحقّ له أن يتدخّل لـحفظ الآداب العامّة؟ وهل كلُّ شخصٍ يحقُّ له تحديد ما هو لائق بكلِّ امرأة في الشارع وما هو غير لائق بـها؟ ألا يؤدّي ذلك إلى فوضى خطيرة؟ وكانت الـحادثةُ الثّانيّةُ تتعلّق بـمسؤولٍ تـمّ تصويرُه وهو يستغلُّ مَكْتَـبَه للتّحرّش بالعاملات تـحت سلطته، والاعتداء عليهنّ..

قد تكون الحادثتان غير مؤكّدتين، وقد تكونان معزولتين أو تعبّران على تصرّفٍ شخصي لفرديْن لا يـُمثِّلان عـمق الـمجتمع الجزائري.. ولكن الذي يـَحمِلُ دلالةً أخطر من الحادثتَيْن الـمعزولتَيْن، هو طبيعة النّقاش الواسع الذي نتج عنهما في وسائل التّواصل الاجتماعي، وذلك لأنّ النّقاش انـحرف من موضوع إدانة الاعتداء والتّحرّش، وكيف يـمكن أن نعالـج ذلك قانونيّا وثقافيّا وأخلاقيّا بعيداً عن التّشهير والتّشخيص، إلى حيثيّات أخرى تساهم في تبرير هذه الـممارسات مثل قولهم: لـماذا على الـمرأة أن تخرج من حدود الـمطبخ؟ وهل مكانها البيت أم الشارع؟ كما تجاوز بعضُهم فعل الاعتداء على الـمرأة في الحادثة الثانيّة، إلى مناقشة طبيعة لباسها، في مـُحَاوَلَةٍ لـتـجريـم الـحجاب الذي كانت ترتديه الضحيّةُ، أكثر من تـجريـم فعل الاعتداء والتّحرّش والاستغلال!.. وفي كلّ الـحالات، كان يُفهَمُ من النّقاش ضمنيّا أنّ الـمرأة هي الـمسؤولة على ما يَلحقُ بـها من أذى، فلو بقيتْ في بيتها ما تـحرّشَ بها أحد!.. في مثل هذا الخطاب يكمن الخطر، فليس لأحدٍ أن يفرض على امرأةٍ أن تكون داخلَ البيت أو خارجَه، وهل يُبَرِّرُ خروجُ الـمرأة الاعتداءَ عليها؟ وهل كلُّ مُتَحرَّشٍ بـها هي السّببُ في جلب الأذى لنفسها؟.. لقد قرأتُ مرّة تقريرا في الصحافة، مستقى من الـمـحاكم عن حالات التّحرش الجنسي، يـُحيلُ إلى أرقامٍ يـَجبُ تـحليلُها جيِّداً، منها أن70 بالـمائة من الـمُتَحرَّشِ بـهنّ اللواتي رفعْن قضايا أمام الـمحاكم مُتَـزوِّجاتٌ! وليس سهلاً اجـتماعيّا أن ترفع امرأةٌ متزوِّجةٌ دعوى تَـحرُّشٍ ضدّ أَحَدٍ لو لـم تكن مضطرّة، وعلى سبيل الـمثال يُشير إلى امرأة في الخمسين من عمرها يتحرّشُ بـها يوميّا جارٌ لـها طائِشٌ في سن العشرين، أقلّ سنّا من أبنائها! كما أنّ هناك أشخاصاً في خريف العمر يتحرّشون ببنات في سنّ أحفادهم، بشكلٍ ابتزازيّ ليس فيه ذوق ولا أخلاق.. إنّ الأمر لا يتعلّقُ بـخلَلٍ في سلوك الـمرأة في كثير من الأحيان، بقدر ما يتعلّق بتردّي الأخلاق العامّة للمجتمع الذي مازال البعضُ يُصِرُّ على وصفه بأنّه مُـحافِظٌ، وأنّه على قدر كبير من أخلاق الـمروءة والشّهامة والنّبل والفروسيّة و.. ويتعلّق أيضا بكثيرٍ من الأعلاف الثّقافيّة الـفاسدة التي يـجترّها الـمجتمعُ حول طبيعة دور الـمرأة ووظيفتها في الـمجتمع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق