أراء

أعيادنا وثقافة الـمظاهر السّطحيّة

لا شيء أكثر تعبيرا على ثقافة الـمظاهر السطحيّة التي أصبحت تـَحكُمُ أعيادَنا من قول العامّة “صْلاةْ لْڤُيّادْ فَلْجَمْعة ولَعْيَادْ”.. وهو مَثَلٌ شَعْـبـِيٌّ اخترعتْه العبقريّةُ الشعبيّةُ للتّعبير عن تـجربتها الجماعيّة التي تكرَّسَتْ عبر السنين، تُعبِّرُ به عن التناقض في سلوك النّاس بين الواقع الحقيقي والـمظاهر الـمرتبطة بالـمناسبات فقط!.. وكما هو معروف في الثقافة الشّعبيّة فإنّ لكلّ مثلٍ شعبيّ مَوْرِداً ومَضْرباً.. الـمورِدُ هو الحادثةُ الأولى التي قيل فيها الـمثَلُ لأوّل مرّة، والـمـضربُ هو السيّاق الـمشابِهُ الذي يُسْقَطُ عليه الـمثلُ للتعبير عن حالةٍ عامّةٍ لـمْ تعُد مُرتبطةً بشخص مُعَيَّنٍ أو حادثةٍ بعينـها، بل تُعبِّرُ عن ظاهرةٍ أصبحتْ شائعةً، من فرط تكرار حدوثها رغم تعدّد شخوصها وتنوّع سياقاتـها..

إنّ الـمثلَ السّابقَ يصلح للتّعبير على مظاهر شكليّةٍ كثيرة أصبحنا لا نراها إلا في أيّام العيد، ثمّ لا تلبثُ أن تغيبَ في باقي أيّام السّنة..

ففي يوم العيد فقط ينزلُ كثيرٌ من النّاس من أبراجِهم العاجيّة بقدرةِ قادر، وينزعون قفّازاتـهم البيضاءَ ليصافحوا النّاس دون وسائط!.. فتَذُوبُ الفوارقُ الاجتماعيَّةُ والرُّتَبُ، ويتعانق الأغنياءُ والفقراءُ.. الـمُثقَّفون والبسطاء.. الـمسؤولون والعامَّةُ.. الكبارُ والصِّغارُ.. الأقاربُ والأباعدُ.. تـماماً مثلما يُصَلّي النّاسُ كلُّهم في يوم العيد في الصفوف الأولى للـمساجد في أبـهى حُلَلِهم، ثـمّ يـختفي بعضُهم في باقي أيّام السّنة حتى يدورَ عليه الـحَوْلُ، فيظهرَ في العيد القادم!..

تبدأُ مظاهرُ الفرح يومَ العيد فقط، منذ الصباح الباكر، ويتلاقى كلّ الناس دون استثناء بـمختلف رُتَبِهم وأصنافهم!.. يتغافرون، ويتبادلون التّحايا والابتساماتِ والقُبُلَ والأحضانَ فـي الـمساجد والطرقات وفـي البيوت والـمقاهي.. فـي جوّ احتفالـي شعبيٍّ عامٍّ مثالـي ورائع…. يتزاور النّاس ويتبادلون الهدايا ويكثُرُ الكَرَمُ، فتـمتلئ الـموائدُ بأحسن أنواع الـحلويات وكلِّ ما لذّ وطاب من أطباق الأكل والفاكهة .. وتُوصَلُ الأرحامُ، ويتصالـحُ الـمتخاصمون، فتضعُ الحربُ أوزارها أيّامَ العيد فقط، ويعمّ التآخي والتسامح والتراحم.. تعُـمُّ البهجةُ، فيتجمَّلُ النّاسُ ويلبسون أزهى الـملابس، تبدو عليهم النِّعمةُ وتبدو النّظافةُ في الـملبس والأبدان، وتــتزيَّنُ الشوارعُ والبيوت، يُرحِّبُ الناسُ بـبعضهم، وتُسمَع الكلمةُ الطيِّبةُ في كلّ مكان.. يفرح الأطفال ويلبسون أحلى الـملابس، يتباهَوْن في براءة وفرح، يتنقّلون بين البيوت، يتناولون الـحلويات من كلّ الـموائد دون حرج ولا رقيب.. يغدق عليهم الـجميعُ النقودَ والـهدايا، فـيذهبون إلـى الـمتاجر ويشترون بأنفسهم، يتبادلون اللُّعَبَ والحلوى، يتحرّرون من القيود والإملاءات.. تتجلّى هذه الـمظاهرُ يوم العيد فقط، ثـمَّ يـختفي كلُّ ذلك ويتبـخّرُ فلا نرى له أثَرٌ في باقي أيّام السَّنة!.. سيتمنى الأطفالُ بلا شكّ أن يستمرَّ العيدُ، لِيَستمـرَّ الفرح.. ونتمنى نحن الكبار أن تصبحَ مَظَاهِرُ العيدِ وقِـيَمُهُ وأخلاقُه ثقافةً وطنيّةً تـمتدّ إلـى كلِّ أيّامِ السَّنة ولا تقتصِرُ على أيّامِ العيد فقط.. وقديـما عبَّر الـمتنبي على الظاهرة بطريقة أخرى، عندما قال:

عِيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ… بـما مضى أمْ لأمرٍ فيكَ تـَجْدِيدُ!..

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق