أراء

أزمة قنوات تلفزيونيّة أم أزمة ذوق عامّ؟

أعتقد أنّـها الـمـرة الأولى التي يـحصل الإجـماعُ فيها على انتقادما يُعرض في القنوات التلفزيونيّة الـجزائريّة بـمناسبة شهر رمضان، نظرا لغياب الإبداع في أغلب ما يُعرض، وبساطتِه وعدم احترافيَـتِه، إلى جانب عدم امتلاكه لأهداف فكريّة أو تربويّة واضحة، بالإضافة إلى ارتكازه بصفة خاصّة على برامج للكاميرات الـخفيّة، مكرورةٍ وساذجةٍ وفـَجَّةٍ، قائمةٍ على التهريج ومُـخَالِفةٍ للذوق السّليم في كثير من الأحيان.. وقد كثُر الـحديثُ عن الـموضوع في الصحافة وفي وسائل التّواصل الاجتماعيّ،وإن كان في شكل نقدٍ سطحيِّ وانطباعيٍّ  تناول معظمَ البرامج الـمُقدَّمة في القنوات التلفزيونيّة العموميّة والـخاصّة، حيث وصفها بعضُهم بالارتـجاليّة والتسرّع، كما وصفها البعض الآخر بأنـها يَغلِبُ عليها طابعُ التّهريج والغوغائيّة.. وطالـها النّقدُ حتى من قِـبَلِ مسؤولين كبارا ووزراء على علاقة وطيدة بـالـميدان الفنّي والثّقافي، على رأسهم وزير الثَّقافة ووزير الاتصال..فأين يكمن الـخللُ يا ترى؟

في الحقيقة إنّ أزمة البرامج التلفزيونيّة، لا تنفصل عن أزمة الإبداع وأزمة الذائقة الثقافيّة في بلادنا بصفة عامّة، فليس من الـموضوعيّة أن نـُحمِّل الـمسؤوليّةَ للقنوات التلفزيونيّة وحدها، والـحال أنـّها أزمةٌتـخصّ أطرافا عديدة، فهي أزمة كُـتَّابٍ يُنتجون بوفرةٍ كثيرةٍ نصوصاً واقعيّةً جيِّدة ومتنوِّعة، تفرضُ نفسَها في الواقع، وتتكرّس قرائيّا حتى تتحوّل إلى سيناريوهات جادة ومهمّة، لا يـُمكِنُ تـجاهلُها أو تـجاوزُها، وهي أيضا أزمة نُقَّادٍ لـهم حضورٌ قويّ،ينبّهون إلى نقائص الأعمال السّائدة، ثـمّ يكتشفون النّصوص الـجميلة، يعرّفون عليها الـجمهور، ويرشدون الذوق العام إليها، ويرتقون به إلى مصافّها، كما أنـّها أزمةُ صحافةٍ وإعلامٍ ثقافي يساهم في متابعة ما ينتج والتعريف به، ويـَرصُد اتـجاهاتِ الـجمهور ومواقِـفَهُ تـُجاه ما يُعرض من أجل تقييم مستواه، ومعرفة مدى تقبّله جماهيريّا، بغرض غربلة ما ينتج والتّـمييز بين الزّبد الذي يذهب جفاء وبين ما ينفع النّاس.. إلى جانب كونـها أزمة تنفيذٍ وتـمثيلٍ وصناعةٍ للفرجة بشكل احترافي ومسؤول، حيث أنّه لا توجد مواهبُ جديدةٌ تظهر في كلّ سنة، تَتـَجاوزُ الأسماءَ الـمُكرَّسةَ، وتصنعُ الـمنافسة.. وقبل كلّ ذلك وبعدَه، إنـَّهَا أزمةُ استقبالٍوتَلَـقٍّ وأزمةُ ذَوْقٍ عامّ، إنـّها أزمةُجمهورٍ يـمتلكُ ذائقةً جماليةً، يُدافع عنْها،ويسعى لأن يَفرضَ على الـجميع احترامَها.. فعلى الـجمهور أن يناضلَ من أجل أن تـُحتَرَم ذائقتُه كما يناضلُ من أجل الـحصول على لقمة العيش.. عندما يصبح الواحد من الناس يُناضلُ من أجل أن يَفرِضَ مستوى فنيّا لائقا بذوقه، كما يناضلُ من أجل أن تكون الـموادُ الغذائية التي يشتريها مُطابقةً للمعايير الصحية، أو كما يناضل من أجل أن تكون السيارةُ التي يشتريها مطابقة لـمعايير السلامة الدوليّة، نكون قد خطونا خطواتٍ كبيرةً نـحو تـحسين مستوى البرامج التلفزيونيّة وغيرها، إنّ أزمةَ الأزمات تكمُنُ  بالأساس في عدم قدرة الـمنظومة السيّاسيّة والتّربويّة والثّقافيّة والإعلاميّة والاجتماعيّة،على انتاج الانسان الـمتحضّر الذي يـَحتَرمُِذوقَه ويُناضلُ من أجله،  تـماماً كما يُنَاضل من أجل بَطْنِهِ ولُقْمَةِ عَيْشِه!.. قد يأتـي يوم نـَجدُ فيه جـماهيرَ تتظاهرُ في الشّارع الـجزائري بشكل سلميّ ومتحضِّر، للمطالبة بإنتاجٍ ثقافـيٍّ متنوِّعٍ وراقٍ يـحترمُ أذواقَها، ويستـجيبُ لتطلُّعاتها الفنيّة، وتنادي بتوفير الـمكتبات والـمسارح ودور السينما والقنوات التلفزيونيّة التي تلبّي حاجيّاتـها الذّوقيّة.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق