أراء

اللّعب بقداسة الامتحانات

إنّ اللعب بقداسة الامتحانات الوطنيّة، هو لعب بالنّار التي ستحرق الـجميع، وما نلاحظه هذه الأيّام من مـحاولة بعضهم الترويج إلى تسريب امتحانات نـهاية الـمرحلتين الابتدائيّة والـمتوسّطة، أو الايهام بأنـّها قد تـمّ تسريبُها، بـحـجّة الإساءة إلى الوزيرة، أو الـحكومة بصفة عامّة، هو انتحارٌ للـجميع، لأنّه ضربٌ لأهمّ دعامة تقوم عليها الأممُ عبر التّاريخ، إنّ تـخريب منظومة الامتحانات هو تـخريبٌ مُـمَنْهجٌ لعقول أبنائنا، وهو ضرب في الـمقتل لقيمة العلم والتّعليم، يـجعل أبناءنا مع مرور الوقت، وتكرار الاشاعات، لا يؤمنون بقيمة الامتحانات، وبالتّالي لا يُـحضِّرون أنفسهم للنّجاح فيها، ويـجعلُهم في الـمقابل يبحثون عن النّجاح بطرقٍ ليس فيها جهد، فبدل أن يدرسوا جيّدا مادّتـَهم العلميّة التي تُكسبهم مستوى جيِّدا يؤهِّلُهم للنّجاح،  تـجدهم ينتظرون حلولا سحريّة للنّجاح، ويهتمّون بالبحث عن الأسئلة في الانترنيت!..

ثم تـجدهم ومن ورائهم الـمجتمع كلّه، لا يقدِّرون قيمةَ جهدِ من نـجح في الامتحانات عن جدارة واستحقاق، سيصبح كُلُّ ناجح في الامتحانات هو غشّاشٌ في نظر الفاشلين من أقرانه، وفي نظر الـمجتمع كلّه، بفعل كثرة الايهام بتسريب الامتحانات والـحديث عن الغشّ الـجماعي، إنّه عملٌ مـمنهج في اتّـجاه أن لا يبقى تقديرٌ اجتـماعيٌّ للنّاجحين، ويتساوى الذين يعملون والذين لا يعملون، وبعدها يتساوى (الذين يعلمون والذين لا يعلمون)!.. وعند هذا الـحدّ يجب على الـجميع أن يفكّر جيدا، ويـجيب على السؤال: لصالـح مَنْ يتِمُّ هذا التّخريب؟ وهل هو مُضِرٌّ بالوزيرة وحدها أم هو تـخريبٌ لأهمّ منظومة في الـمجتمع كلِّه؟ إنّه في الـحقيقة تخريب للسفينة كلِّها لتغرقَ بكلّ مَن فيها.. (يخربون بيوتهم بأيديهم)!.. لقد بدأ مسلسل تـخريب الامتحانات، ومن ورائه تـخريب الـمنظومة التربويّة كلِّها، منذ أن لـجَأَ بعضُهم إلى أسلوب تسريب امتحانات البكالوريا، للتّخلّص من وزير التربيّة الأسبق علي بن مُـحـمّد، ثـم أصبح هذا الأسلوبُ ريّاضةً وطنيّةً يـمارسها الجميعُ بشكلٍ أكثر شعبويّةً، كلّما اختلفوا مع وزير من وزراء التّربيّة، وهم لا يعلمون أنـّهم يسيئون إلى مستقبل الأمّة كلِّها، حين يغرسون في عقول أبنائها الشكَّ في قيمة الـجهد الـمؤدّي إلى النّجاح، ويسيئون إلى الدّولة الـجزائريّة كلِّها، التي يجب أن تبني مستقبلَها على تثمينِ قِيَمِ العلم والجهد، ولا يسيئون فقط إلى وزيرٍ من الوزراء أو حكومةٍ من الحكومات..

أذكرُ عندما كنّا صغاراً، أنّ امتحان نـهاية الـمرحلة الابتدائيّة كانتْ له قيمةٌ خياليّة، لقد كنّا نشعر أنّنا أم امتحان مصيريّ، يتوقّف عليه مستقبلُ عائلاتنا كلِّها، وأذكر أنّ رَهْبةً كبيرةً كانت تتملّكُنا ونحن ننتظرُ النّتائج، التي كانتْ تُنْشَرُ في جريدة النصر الحكوميّة، لقد كان ل(السيزيام) حُرْمَتُه، ولـم يكن يومها يتبادر إلى ذهن أحد الشَّكُّ في نزاهة أيِّ امتحان من الامتحانات الوطنيّة، أمّا اليوم فقدْ أصبحتْ الألسنةُ تلوكُ بالسُّوءِ والشُّبْهةِ كلَّ الامتحانات من الابتدائي حتّى الدكتوراه!.. وأصبحْتُ أنا شخصيّا أجدُ صعوبةً كبيرةً، في إقناع أبنائي بأهميّة بذل الجهد من أجل التميّز في النّجاح، لأنّـهم لـم يعودوا يؤمنون بنزاهة الامتحانات لكثرة ما يسمعون من اشاعاتٍ حول تسريبها!.. للأسف الشّديد لقد ضَرَبْنا في الـمقتل أهـمّ شيء نُعَلِّقُ عليه الأملَ من أجل مستقبلٍ أفضل للأمّة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق