أراء

الزّلابيّة

 كُنَّا طلبةً بـجامعة عنّابة في مطلع التّسعينات من القرن الـماضي، كان الـحيّ الجامعيّ 19 ماي 1956، يَبْعُدُ عن مدينة الحجّار ببضعة كيلومترات، كنّا نتبادل الأدوار في تدبّر شؤون الإفطار في رمضان، كان بعضُنا يذهب إلى مطعم الحي لإحضار وجبة الإفطار، كان ثـمن الوجبة -وما يزال إلى اليوم- 24) دورو) ، وهو -لمن لا يعرف العملة الجزائريّة- ثـَمَنٌ رمزيٌّ لا يساوي شيئا، إذا أعطيته لطفل لا يتجاوز عمرُهُ السّنتين، سوف يشعر بالإهانة وأنّك تسخر منه، لأنّه لا يستطيع أن يشتريَ به حبّةً واحدةً من الـحلوى.. وكان البعض الآخر، يذهب إلى مدينة الحجّار لشراء الزلابيّة، أذكر أنّ ثـَمَنَ الكيلو الواحد منها، كان يساوي ثـمن الوجبة الكاملة في الـمطعم الجامعي خمسين مرّة.. فكنّا نعلّق ساخرين: أنّ بإمكان من عليه كَـفَّارةٌ أن يدفع ثـمنها كيلو زلابيّة، لأنّه يكفي لإطعام ستين مسكينا من وجبات الحيّ الجامعيّ!..

في أحد الأيّام كان دوري أن أذهب مع أحد الأصدقاء لشراء الزلابيّة، كانت هناك عدّة مـحلاّت لبيعها في الشّارع الرئيسي لـمدينة الحجّار، واحدٌ منها فقط دائم ومتخصِّصٌ في الزلابيّة، وكانت تجارته لا تنتعش  إلا في رمضان، بينما بقيّة الـمحلّات تـُحوِّلُ نشاطها إلى الزّلابيّة في رمضان، لكثرة الإقبال عليها بشكل جنوني، فقد يبقى الواحدُ لساعاتٍ في الطابور ينتظر، ثمّ يؤذِّن الـمغربُ، أو تنتهي الكميَّةُ ولا يَصِلُ دَوْرُه!.. في ذلك اليوم كانت الطوابيرُ أطولَ من كلّ الأيّام السّابقة، كان السّبب واضـحاً، لأنّنا سمعنا الـمصطفّين يتحدّثون عن تسلُّمِ رَواتِـبِهم ، كما كان واضحاً أنّ أغلبيّتَهم من عـمّال مركّب الحجّار للحديد والصّلب، الذي هو أكبر مصنع في إفريقيا كلِّها، ويضـمُّ أكبر تجمّع للعـمّال القادمين من كلّ ولايات الشرق الجزائري..

كان الـمَغرِبُ يقتربُ، وكان رجُلُ مُفْعـَمٌ بالحيويّة يسبِقُنا في الصفّ بثلاث مراتب، كان يتحدَّثُ بلُكْنَةٍ جيجليّة جـميلة، تشبه لُكْنَةَ الـمفتّش الطّاهر، عن قُرْبِ ذهابِهِ بـمناسبة العيد إلى مدينة جيجل حيث أُسْرته، واضح أنّه لم يفطر مع أسرته طيلة شهر رمضان، كان يتـحدّث عن ثياب العيد التي سيشتريها لأبنائه، وسمعناه يتحدّث بسعادةٍ عن هدايا لزوجتِه، ويثني عليها لأنـّها تتحمل مسؤوليّةً كبيرةً تجاه الأبناء في غيّابه.. استبشرنا بوصول دورنا، لأنّ ذلك الـعمّ الذي ظَلَلْنَا نتغلّب على طول الطابور، بالاستماع إلى فَرْحتِه، مثل طفلٍ،  وهو يوزِّعُ  رَاتِبَ شهرِ رمضان على هداياه، بـمناسبة عودته القريبة إلى أبنائه لتقاسم فرحة العيد معهم،  قد وصل أخيراً دَوْرُه.. طلب عمُّو الـجيجلي 2 كيلو من الزلابيّة، يبدو أنّه يفطر جـماعيّا مع زملائه، كان يتحدّث بحماسٍ وفَرَحٍ لَافِتَيْن، حتّى سلّمه البائعُ حصَّتَه من الزلابيّة، تسلّمها بنفس النّشوةِ التي استقبل بها راتبَه الجديد، أَدْخَلَ يَدَهُ في جيبه العامر.. لكنّ شيئا ما حدثَ، ففي رمشة عين انقلبتْ حالُ العـم الجيجلي، وأُصيبَ بنوبةٍ عصبيّةٍ شديدة، بدأ يأكلُ حَـبَّةً من الزلابيّة ويَضرِبُ الـمصطفّين بأخرى، ثـمّ أَقْلبَ بضاعةَ البائع كلَّها أرضاً، وأخذ يَرْفِسُها بِرِجْلَيْهِ، ويـُحطِّمُ كلَّ ما يـَجِدُ أَمَامَهُ، لقد كان هائجاً بشكل فظيع.. انْفَضَّ الطّابورُ، لم يبق على آذان الـمغرب سوى دقائق، ذهبنا مسرعين إلى مـحطّة النّقل، فوجدنا كل وسائل الـمواصلات قد توقّفتْ، كانت عقوبتُنا أضعافاً، الحرمانُ من الزلابيّة، وفواتُ وقت الافطار، ثـمّ الرجوعُ إلي الحي الجامعي على الأقدام.. لا سَامَحَ اللهُ من سرقَ فَرْحَةَ وراتِبَ عـمو الجيجلي في الطّابور.

مقالات ذات صلة

إغلاق