أراء

رمضان وصفّارات الخطر

 لقد سمعتُ أحدَهم مرّة يُـحذِّرُ آخرَ، وهو في قمّة الغضب في رمضان قائلا له: أنا أُحذّرك، أبعد عن طريقي فأنا صائم!..وواضح من السيّاق أنّ الرّجل يـُحذّر صاحبَه من خطرِ كونِه صائماً، فهل أصبح الصوم خطرا عموميّا يحذّر الناسُ بعضُهم بعضًا منه؟ وهل رمضان هو شهر التسامح والغفران فعلاً؟!..في رمضان ترى جُلَّ النّاس نزقين في الشوارع وفي الإدارات وفي الأسواق وفي البيوت وحتى في الـمساجد!..الشِّجارُ والتَّوتُّر والأعصابُ الثَّائرة، والسّبابُ وكثرةُ الشتائم، والتفننُ في الكلام الفاحش والبذيء، والخصوماتُ الكثيرة، والتشابكُ بالأيدي والأرجل وبأشياء أخرى لأتفه الأسباب.. لا ترى أحدَهم يبتسم في وجه الآخر، حتى لتظنّ أن البسمةَ حرامٌ في شهر الصيام، أو تظنّ أنّ الإمام مالك رحمه الله قد أفتى لهذه البقعة من العالم الإسلامي، دون غيرها، بأنّ الابتسامة في شهر رمضان تبطل الصيام!..كما أنّ حمّى الشراء المسعورة التي يصاب بها المواطنون في شهر الصيّام، تـجعل مَن يُراقبُ الـمشهدَ يُـخيَّل إليه أنّ حرباً على الأبواب، أو أنّ قيامةً ما ستقوم قريبا، ولا بدّ من تخزين المؤونة لمواجهة النّدرة التي ستتسبب فيها هذه الحربُ الضروس، لأنَّ كلّ المواد الغذائيّة ستنضب، ولا يجد النّاسُ ما يأكلون طيلة فترة الحرب الطّاحنة التي تدوم شهرا كاملا!.. هذه الحمّى الـمسعورةُ لا يضاهيها في التّصعيد والإيهام ببلوغ الدرجات القصوى من الخطر، إلا حـٌمـّى الجشعِ والغشِّ والتّدليسِ والـمبالغةِ في الاستغلال لدى البائعين، الذين يتحوّل بعضُهم إلى مصّاصي دماء في هذا الشّهر!..

وقبل أن تضع حربُ اللّهفة والجشع أوزارَها، يتفاقمُ التبذيرُ وإهدارُ الأطعمةِ الكثيرة، وتنتشرُ الأوساخُ والقاذوراتُ والروائحُ الكريهة، بعد أن تعجزَ طاقةُ البطون في الليل على استيعاب الكميّات الهائلة من المشتريات، وتعجزَ طاقاتُ حاويات القمامة  والمزابل في اليوم الـموالي على استيعاب الكميّات الـهائلة من الطعام الملقاة فيها.. يحدث هذا في زمن لا يجد فيه بعضُ الناس ما يشترون به حليب الأطفال أو الدواء..فهل رمضان هو شهر التضامن؟!. ألا يتحوّلُ رمضان بمثل هذه الممارسات إلى خطر عموميّ على الأنفس والصحّة والمجتمع والاقتصاد؟!..ما أصدق معروف الرصافي حين قال:

إذا رمضانُ جاءهم أعدُّوا… مطاعمَ ليس يُدرِكُها انـهضامُ

وناموا مُتْخَمين على امتلاء… وقد يتـجشَّمون وهـم نيامُ

قل للصّائمين أداءَ فرضٍ… ألاما هكذا فُرِضَ الصِيّامُ

فأغبى العالمين فتى أكولٌ… لفطنـتِــه ببطنــتِـه انـهزامُ

وما أصدق القائل:

يا ذا الذي صام عن الطَّعـمِ… ليْتَك قد صُمْتَ عن الظُّلـمِ

هل ينفَعُ الصومُ امرأً ظالِماً… أحشاؤهُ مَلْأى من الإثـمِ؟!..

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: رُبَّ صائم حظُّهُ من صيامه الجوع والعطش.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق