أراء

التَّاريخ إلى سُلَّةِ المُهْمَلاتْ

شاهدتُ في إحدى القنوات التّلفزيونية الوطنيّة الخاصّة، تقريراً صحفيّاً بمناسبة الثّامن من ماي، لا يدق ناقوس الخطر فقط، بل يَكشِفُ تفشِّي السّرطان في الجسم الوطني بشكل يُـنذِرُ باليأس من العلاج، كان الصّحفيّ يسأل المارّةَ السّؤال التّالي: ماذا يمثّل لك تاريخ 8 ماي؟ وكانت إجابةُ كثيرٍ منهم تَكشِفُ عن جهلهم تماماً بما تـُمثّلُه المجزرةُ الاستعماريّةُ الفظيعةُ التي ارتكبتْها فرنسا في حق الجزائريين في قالمة وخَرَّاطة وسطيف وغيرِها من المدن الـجزائرية، وهي التي أجّجَتْ الحِسَّ الوطنيّ، ودفعتْ المناضلين من أجل استقلال الـجزائر لتسريع اتـخاذ قرار تفجير ثورة أول نوفمبر الـمُظفّرة.

وأنا أتابع هذا التّقرير المُريع، كنت أتخيّل اليومَ القريب – إذا واصلنا على هذا النهج- الذي نسأل فيه شبابَنا: ماذا يعني لك يوم الفاتح من نوفمبر، فيُقلِبُ الواحدُ منهم شفتَيْهِ، ويرفع يديه إلى أعلى، ويبدي ابتسامةً صفراءَ حائرةً، ثم يقول مرتبكاً: أول نوفمبر؟ في الحقيقة والله لا أعلم!..

وكنت أتخيّل اليوم الذي نسأل فيه أحدَ شبابنا من أجيال السراويل المُمَزَّقة وقصّات الشّعر الغريبة: ماذا يعني لك يوم 5جويلية؟ فيُطرِقُ إلى الأرض، مستجمعاً أفكارَه، مُستَجْدِياً ما تَبقَّى من ذاكرته الـمدرسيّة الـمثقوبة، ثم يندفع كمن عثر على حقيقة هامّة، قائلا: آ.. لقد وجدتـُها،5جويلية، أليس هو اليوم الذي انتصرنا فيه على الألمان في كأس العالم سنة 1982؟!.. وقد يُجيبُك شابٌّ آخر: آآآآ..5جويلية، إنه التاريخ الذي انتصرنا فيه على المصريين في معركة أمّ درمان الخالدة!.. وقد يـُجيبُك أحدُهم وأنت تسألُه عن مناسبة 2o أوت قائلا بعد تخمين وتركيز: أليس هو عيد الحب الـمُسمّى “القديس فالانتاين”؟ ثم لا يلبث أن يستدرك مصحِّحاً، مُبْدياً عبْقريَّةً في التحليل: لا آسف أنا أخطأت، لأنّ “السان فالانتاين” في الربيع وليس في الصيف.. لأنّ زَمَنَ التّلاقح مرتبط بالربيع أكثر وليس بالصيف!.. أو قد يـُجيبُك أحدُهم، حين تسألُه عن 19 مارس عيد النصر، فيقول بعد تفكير وتقدير: 19 مارس.. آآآ أعرفه، طبعا هو عيد الـمرأة.. ثم لا يَلبِثُ أن يستدرك: لا، ليس عيد الـمرأة، لأنّ عيد الـمرأة هو يوم 8 مارس، آآآ وجدتُـها: إنه عيد الشجرة!..

ذكَّرَني ما سبقَ بقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء زيارته الأخيرة للجزائر: أنا صديقٌ للجزائر، ولكن دون الرجوع إلى الـماضي، وإلى التّاريخ!.. وبقوله مخاطباً شابّاً من مواليد الاستقلال: أَنْتَ لم تَعِشْ فترةَ الاستعمار، مَالَكَ وللتّاريخ؟!..

فِعْلاً.. أَلـَمْ يُنَادي بعضُهم في شوارع العاصمة ذات يوم: التاريخ إلى المزبلة؟!..وكان ذلك يَـتِمُّ بتشجيعٍ من دوائر مُعيَّنَـةٍ، لتسيير الأمور عن طريق إحداث الاستقطاب الحادّ في الـمجتمع، على مبدأ “فَرِّقْ تَسُدْ”!.. فها هي النتائجُ نقطفُها اليوم.. إنّه لاشيءَ يجمعنا غير الشُّعور الوطني الواحد الذي يصنعُه التاريخُ الـمشترَكُ الواحد؟!.. أليس التّاريخ الوطني هو الإسمنت الـمسلّح الذي يصنع اللُّحْمةَ الوطنيّة؟ أليس هو الثّابت الأكبر الجامع لكلّ أركان الهويّة الوطنيّة التي كانت تـُحدِثُ التَّعبئةَ الشّعبيَّةَ الشّاملةَ لمواجهة الاستعمار بالأمس؟ ومع ذلك أصبح التَّشكيكُ بالتّاريخِ الوطني والمساسُ بالرُّموزِ الوطنيّة ريّاضةً وطنيّةً يُمارسُها بعضُ الـمثقَّفين اليوم، وتُشَجِّعُها كثيرٌ من الأطراف!..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق