أراء

الغرب والإسلاموفوبيا

وَقَّعَتْ في الأسبوع الـماضي في فرنسا ثلاثـمائة شخصيّة سيّاسيّة وثقافيّة، منهم الرئيس الأسبق نيكولاساركوزي، ورئيس الوزراء الأسبق مانويل فالس، بَيَاناً “ضِدَّ معاداة السّاميّة” دَعَوْا فيه إلى تعطيل بعض آيات القرآن، التي تدعو إلى قتال اليهود والـمسيحيين والـملحدين -كما وصفوا-  وأطلقوا عليها “آيات العنف”..والحقيقة أنّ مثل هذه الـمواقف التي تربط بين الإسلام والإرهاب، لـم تعد خافيّة في الثقافة الغربيّة، ففي وقت قريب، طالعتْنا الصحافةُ الفرنسيّة، أنّ عمدة مدينة تولوز الفرنسية،رَفَع دعوى قضائيّة ضد أَبَويْن بسبب تسمية ابنهما باسم “جهاد”، لارتباط الكلمة في الـمخيال الـجمعي الغربي بالـعنف والإرهاب،رغم أنـها ليستْ كذلك في منظور الأبَوَيْن.. وفي سنة 2015 طالعتْنا الصحفُ بأن الصين، التي امتدّت إليها بدورها العدوى الغربيّة، أصدرتْ مرسوما تَـحظُر فيه قائمةً من الأسـماء منها: محمد، وقرآن،…وكان الإجراء، حسبهم، يهدف إلى مـحاربة التطرف!..

في السيّاق نفسه، منذ سنواتٍ حكى لـي أحدُ أساتذةِ اللغة الإيطاليّة حِكايةً واقعيَّة لـها دلالةٌ هامَّةٌ على حجم الإسلاموفوبيا التي أَصْبَحتْ تَسْكنُ العقلَ الـجمعيَّ الغربـيّ، قال: كنا في زيارة عِلْميَّةٍ رفقةَ فوج من الطلبة إلى إيطاليا، في إطار اتفاقيّة علميّة، من أجل توفير البيئة اللغويّة الـمُسَاعِدَةِ للطلبة على تـحسين مستواهم في اللغة الإيطاليّة، وبينما كان الطَّلَبَةُ في الـحافلة التي تُقِلُّهُم يتبادلون الأحاديثَ والنُّكَتَ والحكاياتِ في جَــوٍّ من الأرْيـَحِيَّةِ، إذ بِوَاحِدٍ منهم ينطق بعبارة “الله اكبر” في سيّاقٍ من سيّاقاتِ أحاديثِهم الـمازحة، فما كان إلاّ أن توقَّفَتْ الـحافلةُ فجأةً، وتعرَّض الطَّلَبَةُ لـحالةِ طوارئ قصوى.. والسبب هو التلفّظ بعبارة “الله أكبر” التي ظَلَّتْ تُزْعِـجُ العَقْلَ الـجمعيَّ الغربيَّ منذ قرون طويلةٍ، وأصبح اليومَ يُـقْرِنُـها بالإرهاب في قاموسه!…

ذَكَّرتْني  هذه الوقائعُ  بـما حدث للروائي الجزائريّ الشّهير مـحمد ذيب، عندما طلبتْ منه دار سوي الفرنسيّة للنشر، إعادة النّظر في مضمون كتاباته بـحُجَّةِ أنـّها لم تَـعُدْ رائِجَة!..وكان ذلك بتحريضٍ من دوائرَ ثقافيّة وسيّاسيّة، أَقْلَقَها خطُّه في الكتابة، وأسلوبُه في مناهضةِ العُنْصُريّةِ والعقلِ الاستعماريِّ بروحِه الاستعلائيّةِ الـمُتَعجرفة..حينها قال مـحمد ذيب (صاحب رائعة الدار الكبيرة): إنـهم يريدون مني أن أُغَــيِّــرَ اسـمي، أعرف أن اسم محمد أصبح يُقْلِقُ الغربَ ويُـزْعِجُه!..وقدتعرَّض مـحمد أركون أيْضاً، لـموقفٍ مُشَابـِـــهٍ، إذْ شُنَّتْ عليه حملةٌ هوجاءُ في فرنسا، وفي الغرب بصفة عامّة، عندما انتقد سلمان رشدي الذي كتب آيات شيطانيّة! على الرّغم مـمّا تـُمَثِّلُهُ كتاباتُ محـمد أركون من انفتاح، وعلى الرغم من جهوده الـهامّة في تأسيس التّقارب بين الإسلام والغرب في إطار ما يُعْرَفُ بـحوار الحضارات والأديان!..

في الحقيقة، مثلُ هذه الـمواقف ليْسَتْ غريبةً عنّا نـحن الجزائريين، فبالأمس كانت فرنسا الاستعماريَّةُ تَنْعَتُ الـثُّوارَ الـمُجَاهدين من أجل تـحرير بَلَدِهِم، بالإرهابيين في كلّ أَدَبِيَّاتـِهَا التي ماتزال مـحفوظةً إلى اليوم في الصّحافة وفي غيرها.. وستظلُّ صفةُ “مـجاهد” في البطاقات التي لا يزال جيلُ الثَّورةِ التحريريَّةِ الـجزائريّة يـَحْمِلُهَا، تُؤرِّقُ الـمِخْيِالَ الـجَمْعيَّ لكلِّ من يـَحِنُّ لفترة الاستعمار، بناءً على ما يُعْرَفُ في علم النّفس، بِـمُـخَلَّفَاتِ ومَكْبُوتَاتِ(طْرِيـحَة الصّغر) التي مايزال بعضُ السيّاسيين والـمثقّفين الفرنسيين لـم يَبـْــرَأوا منها منذ الثَّورَةِ التحريريَّةِ الـمُظَفَّرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق