أراء

خلّيها ما تقراش!..

حَكَتْ لـي أستاذةٌ جامعيّةٌ لـها وزنُـها العلـميّ، حكايةً مُعبِّرة ًجدّا، يـمكن من خلالـها فهم عقْليّةِ كثيرٍ من الجزائريين، قالتْ: كُنْتُ أسكُنُ في إحدى القرى الـمـحافظة، عندما نـَجَحْتُ في شهادة البكالوريا في السبعينات من القرن الـماضي، وكنتُ ثانـي فتاة تتحصل على البكالوريا في تلك القرية الـجبليّة.. كان أبـي فَرِحاً بنجاحي، ولـم يُعارضْ ذهابـي إلى الـجامعة، بالرغـم من أُمِّـيَـتِهِ، ومن أنّ الكثيرين نصحوه بأن لا يتركني أسافرُ للدراسة.. تقول: عندما حان وَقْتُ التسجيل في الجامعة، أجَّرَ والدي سِيَّارةً، وذهبْنا إلى قسنطينة التي وصَلْنا إليها بعد اكثر من ثلاث ساعات، عندها أخذْنا نقوم بإجراءات التسجيل، وننتقلُ من مرحلة إلى أخرى، حتى وصلنا إلى مرحلة حجز الغرفة في الحي الجامعي.. وهناك التقيتُ بفتاة أعرِفُهَا من قبْلُ، أَخَذَتْ تُرحِّبُ بي وتُـحدّثني بـحرارةٍ.. كان أبـي يُراقِبُ حديثَنا عن بعد، وعندما أَنْـهَيْنَا إجراءاتِ حجز الغرفة، سألني: مَنْ هي تلك الفتاةُ التي التقيتِ بـها؟ قلتُ له: تلك بنت فلان.. كان أبـي يعرفُه جيّدا، لأنّه صاحب الـمقهى الوحيدة في القرية، قالتْ الأستاذة: ما إن ذكرتُ لأبـي تلك الفتاةَ، حتى أصبح مُتضايقاً جِدّا، ولـمْ يُكَلِّمْني طيلةَ الطريق، حتّى أنّني فقدْتُ طَعْمَ الفرحةِ بالتّسجيل في الـجامعة، وطعْمَ الفرحة بأوّل سَفَرٍ في حياتي..  وظَلّ امتعاضُ أبـي الـمُريب بسبب تلك الفتاة، يُقْلِقُني كثيراً، ويُصيبُني بالرِّيـبةِ والـمخاوف، وكنتُ أقول في نفسي: ربـّما يَعرِفُ أبـي شيئاً غيرَ لائقٍ عن سيرة تلك الفتاة، وهو بذلك يـَخافُ عَلَيِّ من عدوى سلوكها السّيء في الـجامعة، خاصّةً وأنّـني كُنتُ أَعْرِفُ كيف يُفَكِّرُ القرويّون في تلك الفترة، تـجاه البنات اللواتـي يدرُسْنَ في الـجامعة، ويَـبِتْـنَ بعيداً عنْ بيوتـِهِنِّ.. قالتْ: ظلَّ أبـي مُتَضَايِقاً وَلـم يتكلّمْ طوال الطريق الطويل، إلى أنْ توقّفتْ السيّارةُ أمام بيتنا في القرية، وعندما نزلتُ، وهـمَمْتُ بالدخول إلى البيت، استوقفني وسألني بـحزمٍ: هلْ أنتِ متأكّدةٌ بأنّ تلك الفتاة هي بنت فلان؟ فقلتُ، وأنا مرتبكةٌ خائفةٌ: نعم يا أبـي، عندها استدار مُندَفِعاً تُـجاه القرية، وهو في أعلى درجات الغيظ، ودخلْتُ أنا إلى البيْت، فوجدْتُ أمّي تَكاد تطيرُ فَرَحاً بتسجيلي في الجامعة، غير أنّني قابلتها بوجه شاحبٍ وقلبٍ يكادُ يتوقّف من الخوف، فأخَذَتْ تَسْتَفْسِرُ عـمّا حدث وأنا تائهةٌ، لا أُجيبُ بشيء.. سألتْ أمِّي عن أبـي هل حلّ به مكروه، فأشرتُ بأنّه لم يشَأْ مُرافَقَتي إلى البيتِ.. وهنا بدأ القلقُ يَقْتُلُ أعصابَنَا.. ظَلَّتْ أمّي تسألني متوجِّسةً، وأنا واجِـمةٌ.. تأخّر أبي كثيرا، وظلّ الضَّغطُ يَصَّاعَدُ في عُروقِنَا .. بعد زمن ثقيلٍ قَاتِلٍ نَفْسِيّاً، عاد أبي وقَدْ بَدَتْ على وجهه علاماتُ الانفراج، بدا كأنـّما وَضعَ عنه حـملاً ثقيلاً.. لـم ينتظِرْ استفهاماتِنا، وبادر قائلا: أرأيتِ صاحبَ الـمقهى الـمنافق، لقد ظَلَّ طِوالَ الأيام السّابقة يَنْصَحُني بأن لا أتركَكِ تُكْمِلين دراستَكِ الجامعيّة!.. ولـما سألتُهُ اليوم عن سبب تركِ ابنتِه تلتحقُ بالجامعة، قال لي: لا تُـحدِّثْ أحداً عن دراسةِ ابنتك في الجامعةِ أبداً، حتّى لا يَـتَنَبـَّـهَ سُكّانُ القريةِ إلى تعليم بناتـِهم، لتظلّ بناتـُهـم جاهلاتٍ، خادماتٍ لابنتي وابنتِك الـجامِعِيَّــتَيْن!.. “خلّيهم ما يقراوش”، حتى يَـبْقَيْنَ خادِمَاتٍ لِبَنَاتِنَا!.. هذه ليستْ قِصّةً خياليّةً، بل هي قصّة ٌواقعيَّةٌ عنوانـُها “الأنانيّة”، و”البخل”، و” الغشّ في النّصيحة” نُصادِفُها يوميّا، بتفاصيل مُـتَنوِّعةٍ في مُـجتمعنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق