أراء

الوَطَـنِيَّةُ تَكْمُنُ في الأعماق

سـمعتُ مرّةً رئيسَ مجلس الأمة الأسبق، بشير بومعزة، يتحدّث عن الوطنيّة في أحد حواراته الصُّحفيّة، فقال: الوَطنِيَّةُ مثلَ الجيولوجيا، كلّما تعمَّقْتَ في طبقات الأرض أكثر، وجدتَ الحرارةَ في التّربةِ أكثر، ووجدتَ الخصوبةَ أكثر.. حَضَرتْني هذه الصورةُ الـمعبِّرةُ جدّاً، وأنا أُتابعُ الأجواءَ التي تَلَتْ الكارثةَ الوطنية، بعد تحطّم الطائرة التي أَسفرتْ عن استشهاد عددٍ مُعتبرٍ من جنودنا الـشّجعان، وهم في طريقهم إلى أداء واجباتهم الـمقدّسة في حماية الوطن.. حيث لا يحتاج الـمتابعُ إلى جُهْدٍ كبير، حتى يلاحظَ أنّ الـمأساةَ قد أعادتْ حرارةَ الوطنيّةِ إلى الأمَّة بِقُوَّةٍ، وأنَّ الشّهداءَ قد أعادوا حقيقةً الشعورَ القويَّ باللُّحمةِ الوطنيّة لأنّهم يمثِّلون عمقَ الأمّة الجزائرية، ويتوزّعون بالتّساوي على كلّ أنحاء الوطن، ما جعلهم يُوحِّدون مشاعرَ الجزائريين في كلّ بُقعةٍ من مساحة الجزائر الحبيبة.. في القرى، وفي الأرياف، وفي الـمدن.. في الشرق، وفي الغرب، في الشمال، وفي الجنوب..كما أنّهُم ينحدرون من كلّ الطّبقات الشّعبيّة، ويـُمثِّلون كلّ الفئات الاجتماعيّة، وكانوا يعبّرون على أحلام وآمال كلّ فئات الشعب الجزائري، فمنهم الأبُ الذي فارق أبناءه، وهو يـَحلُم بالعودةِ إليهم قريبا، ليصوم معهم أياما في رمضان، أو ليشاركهم فرحة عيد الفطر، ومنهم الأخُ الذي وَدَّعَ إخوانَه الصغار، وهو يُوَطِّنُ نفسَه على مساعدة أبَوَيْهِ في التكفّل بهم، ومنهم الزوجُ الذي ترك زوجته وحيدةً، وقد تكون لا تزال عروسا في حنّائها، والابنُ الذي ترك والِديْه اللَّذَيْنِ قد يكونان مريضَيْن، وغادر وقلبُه مُعلَّقٌ بهما، ومنهم اليتيمُ الذي ترك أمَّهُ وحيدةً تُصارِعُ الأحزانَ، وغادرها وهو يَكْتُم حُزناً أعمقَ من حزنها، ومنهم الخطيبُ الـمُتَيَّمُ الذي غادر خطيبتَه وأهلَه، وكلُّه شوقٌ إلى يوم عُرسِه الذي قُدِّرَ له أن لا يتحقّق في الإجازة الـمقبِلة.. ومنهم من كان يحْمِلُ أفراخَه الصغارَ معه، لأنّه مُقيمٌ مع عائلته الصغيرةِ في مَقرِّ عملِه، ففَاضَتْ أرواحُهم الملائكيَّةُ من السَّماءِ مُتَعانِقَةً، إلى حيثُ ربّ لطيف رحيم.

لقد وحَّدتْ هذه المأساةُ الوطنيّةُ مشاعرَ الجزائريين كُلِّهم، وأحدثتْ هَـبَّةً تَضَامنيّةً وطنيّةً قلَّما تحقّقَتْ مِنْ قبلُ، نلاحظ ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام، وعلى مستوى الأحياء الشعبيّة، حيث تسكنُ عائلاتُ الشّهداء التي ازدحـمتْ بجموع الـمُتضامنين الذين اجتمعوا على قلب رجلٍ واحد، لا يُـحرِّكـهم سوى نبضِ الوطنيّة العالي الذي حرّكتْهُ هذه الـمأساةُ الأليمة، التي جلبتْ للجزائر أيضا تعاطُفاً دوليّا كبيراً، أعاد لـها قيمتَها الـمعنويَّـةَ الكُبرى، كبَلَدٍ ثوريٍّ شامخٍ، متماسكٍ، ومسانِدٍ للحُرّيَّـة وحقوق الإنسان عبر التّاريخ..

لقد حقَّقَ الشُّهداءُ الوحدةَ الشعوريّةَ للجزائريين، لأنّهم يـُمَثّلون كلّ شرائح الشّعب الجزائريّ، ويُعبِّرون عن عُمْقِه ومعدَنِه الأصيل، فلا أَثَـرَ هناك لدَعَوات الفتنة، التي أَلِفَتْ بعضُ الأصوات- التي لا تُمثِّل رسالةَ الشُّهداء- حـَمْلَهَا لتقسيم الجزائريين على أساسٍ عرقيٍّ، أو لغويٍّ، أو جهويٍّ، أو إيديولوجيٍّ، أو فئويٍّ أو سيّاسي، أو.. والعبقريَّـةُ أن نستثمِرَ هذه الـمشاعِرَ العارِمةَ من أجل رفع منسوب الوطنيّةِ الحقَّة، ومن أجل أنْ نصنعَ من تضحيّات الشهداء سُلَّماً لبناء وطنٍ مُتضامِنٍ ومُزدَهِر.. حتى لا تَـتَوقَّفَ واجباتُنا تـُجَاهَ الشّهداء، عند مـجرّد تقديـم التَّعازي، لأنهم بلا شك لا يضحّون بأرواحهم من أجل تلقّي التعازي فقط.. إنّ أمانةَ الشّهداء في أعناقنا أكبر من ذلك بكثير.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق