أراءالحدث

هل افضى مسار الجمهورية الى مفهوم الدولة ؟

بعد قرابة الستة عقود من استقلال الجزائــــــــــر

«الدول التي لا وجود لها» هو عنوان تقرير مثير ل«هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) تم نشره قبل قرابة الاربع سنوات من الآن ، إذ ورد فيه الإشارة إلى وجود “عالم سري من الأمم الخفية المستقلة التي تملك حكومات خاصة واتحادات رياضية، من ضمنها دول نعرفها ودول لم نسمع بها من قبل، ولكنها غير موجودة على الخرائط المتداولة، ومعظها ليس عضواً في الأمم المتحدة”،وفي ذات السياق يضيف عالم الجغرافيا البريطاني نيك ميدلتون (كلية «سانت آن» في جامعة «أوكسفورد»)، “أن هناك دولاً غير معروفة وغير موجودة في الغالبية العظمى من الكتب والخرائط، يطلق عليها اسم « الدول التي لا وجود لها »، مضيفاً أنه “على رغم أن هذا الاسم قد يبدو خيالياً، إلا أن هذه الدول موجودة وهي أماكن حقيقية، ويسكنها مواطنون”. وقد أشار لها في كتابه الجديد «أطلس البلدان التي لا وجود لها» (ماكميلان 2015).

والحقيقة أن الوجود من عدمه ،مفهوم واسع ،فيما المقصود هو الوجود الجغرافي علىى الأرض وقد يتعداه إلى مفهوم أوسع نسبيا نصؔت عليه اتفاقية مونتيفيديو سنة 1933، وقد تضمنت الشروط التي يجب توافرها في أي بلد ليُعترف به كدولة وهي: الأرض المحددة أو الإقليم، والسكان الدائمون (الشعب)، والحكومة، إضافة إلى القدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.

وإذا كانت كيانات وتجمعات بشرية عديدة لازالت الى اليوم تصارع لاثبات وجودها كما هو الشأن لجمهورية لاكوتا التي يبلغ عدد سكانها أكثرمن 100 ألف نسمة(الهنود الحمر الذين رفضوا تعويضا ب600 مليون دولار من المحاكم سنة 1998 )، وتقع بالولايات المتحدة الأميركية (إلى الشرق من جبال روكي)، وقد أوجز الباحثون هذه الجهود بالقول أنها محاولة ل “استعادة تاريخ سكانها الأصليين المقدس في منطقة بلاك هيلز القبلية”. فإننا في الجزائر البلد المترامي الاطراف بحدودنا الجغرافية الواضحة ،تجاوزنا هذه العقدة ، وليس السكان المستقرون أو الحكومات من ينقصنا في الحالة الجزائرية، بقدر الوصول بالجزائر الى مفهوم الدولة الحديثة ،بابعاده المختلفة ،كمفهوم قانوني أو حقيقة سياسية أو حتى كفكرة فلسفية مجردة، تقدس مفهوم العقد الاجتماعي وتنتقل بالناس من حالة الفطرة أو الطبيعة الى حالة المجتمع المنظم ، مع الفصل الكامل لمفهوم السلطة السياسية عن مفهوم الدولة وفض الارتباط الكبير بينهما ،خاصة في الخطاب السياسي المؤدلج ،حيث العديد من الاحزاب السياسية المروجة لفكرة أنها الدولة ،يقابلها العديد من الناس ممن يُشكل عليهم التفريق بين المفهومين ،ويبرز هذا الاستشكال خاصة عند تعرض بعض الجزائريين للسلطة السياسية بالنقد ومحاولة التصويب، لتينتج آليا في مخيلة الناس أن الرأي الآخر ،هو تهديد لكيان الدولة الجزائرية ،والحقيقة أن هذا موضوع آخر قد يتطلب استفاضة وتأملا، خاصة في الوقت الذي عمدت فيه منظومة الحكم بالجزائر إلى تدجين العقول وتربية الأجيال المتلاحقة،”أن الجزائري خلق متآلفا مع الجزائريين ومع مختلف أنظمة الحكم التي تسيره سواءا كانت دولة عميقة أو ثلة من رجال المال والأعمال أو حتى المجالس المنتخبة بمستوياتاها المختلفة” ،بل وخلق سعيدا بالفطرة ،وأن اي ندرة في الماء او انقطاع الكهرباء أو غياب الرعاية الصحية أو انعدام الخدمات الطبية والأدوية وغيرها من منغصات الحياة ، إنما هي أمور تافهة مقارنة بماعاناة الأجداد والدول الاخرى ؟كما أن الخطاب السياسي الذي يتصدى لاي فضفضة بالتعاسة دائما يندد باخفاق الجزائري على التعرف على هذه السعادة والنعم التي تحيط به ،وإذا ما أحس بالتهميش أو الاقصاء أو ،إنما هي مجرد أوهام ،وهذا واحد من أوجاعنا ،إذ العلوم الانسانية التي تدرس علاقة الانسان بالاخر، كلها مبنية على حقيقة وجود الصراع الانساني او لنسميه التدافع الكوني كشيء من التأصيل ،إلا في الجزائرفالخلاف معناه المشاز والسقم وفي أحيان كثيرة معناه الأيادي الخارجية والأجندات المارقة .

وإذا ماعدنا مرة أخرى الى مفهوم الدولة فإن واحدا من أقوى التعريفات لهذا المفهوم عبر عنه فكر الألماني ماكس فيبر – Max Weber إذ عرَّف الدولة بأنها “منظمة سياسية إلزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة في إطار معين الأراضي”.

وعلى الرغم من بساطة هذه التعاريف وغيرها ،إلا أن مفهوم الدولة لا يزال يشكل “ذروة التشاكس الفكري” باعتباره مفهوما يحتاج الكثير من البعد القرائي والجهد الفكري وحتى المعالجة المعرفية ،على اعتبار أن مفهوم الدولة يجب أن يحقق التوافق والانسجام بين أنظمة الحكم والمؤسسات الحاكمة من جهة ،وبين الدولة والشعب من جهة أخرها ،ناهيك على أن الدولة بمفهومها الناضج تتمركز حول كينونة المؤسسات واستقلاليتها ويرافقها في ذلك ترحيل القداسة من الأشخاص الى المؤسسات ،حتى تضحي هذه الاخيرة الضامن الأوحد لعدم تشتت السيادة الوطنية ،فالدولة التي تتفتت سيادتها ويختطف جزء منها لتحقيق مآرب ذوي المصالح الضيقة تحتاج مراجعات عميقة ،كما هو الحال عندنا ،ولا مناص من مراجعة هذا الواقع بشكل يمكننا من تقييم مسارنا كجيل اليوم ، وهل وصلنا فعلا الى تحقيق مفهوم الدولة، أو على الاقل التأكد من أننا في الطريق الموصل إليها،تفاديا لاستنساخ مقولة “أنا الدولة ، والدولة أنا ” و التي أطلقها الملك لويس الرابع عشر ( حكم فرنسا منذ 1643 و حتى 1715 و قد لقب بملك الشمس ) وهي مقولة تذكرنا بتهافت القيادات السياسية بالبلد على اعتبار نفسها الدولة ،وهو مؤشر خطير جدا مــــهؔد لتوزيع تهم الخيانة على كل من يخالفهم الراي ،ناهيك أنه يصب في اتجاه تقديس الاشخاص بعيدا عن قدسية المؤسسات التي تمثل مفاصل الدولة الحقيقية .

بعد ستة وخمسين سنة من استقلال الجزائر ،لازال التساؤل عميقا ،مالذي تحقق في مسار بناء الدولة الحديثة ؟ومن هذا المنطلق سيظل فهم المفارقات والتمييز بين السلطة والسيادة ،التبعية والشراكة وغيرها من المفاهيم ، مبحثا هاما يجب ان يمثل لدينا كجيل اليوم ذروة الاشتغال المعرفي حتى نحاول تخطي الحفر التاريخي العمودي ، وفهم الوضع ببلدنا بشكل يمكننا من الإسهام في بناء الدولة الجزائرية الحديثة ،والتي استصعب علينا اليوم قياس عمقها ومعرفة معالم تَشكٌلِها…………..(يتبع)

بقلم: مراد ملاح

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق