أراء

هل أصبح المجتمعُ الجزائريُّ بِوَجْهَيْن ؟

هل مازال المجتمعُ الجزائريُّ مـُحافِظاً، كما يحلو لنا دائما أن نُردِّد؟ أم أنّ الأمرَ فيه قولان، بحسب الـمزاج والظروف والسيّاق ؟ سأناقش الـموضوعَ من خلال عرض حادثتَيْن، قد تبدوان معزولتَيْن، ولكن لا شكّ أنّ لهما دلالاتٍ عميقةً، لأنّ التَّفاصيلَ اليوميّةَ الصغيرةَ، هي التي تُؤَثِّثُ المشهدَ الكُلِّيَ للمجتمع في كثير من الأحيان:

الحادثة الأولى: في الأسبوع الـماضي، أُصيبَتْ إحدى الطالبات في جامعة من الجامعات الوطنيّة بانهيارٍ عصبيّ، فنزعتْ ملابسَها أمام مرأى الـجميع، ولم يجد الشّبابُ “الـمثقّف” “النّخبة” المحيطُ بـها من وسيلة لـمواجهة الـموقف، سوى استخراج الـهواتف الذكيّة لتصويرها، وتداولها في وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع!.. وهنا أتساءل: ماذا لو كانتْ الفتاةُ الـمنهارةُ عصبيّاً، أُخْتَ أو قريبةَ واحد من هؤلاء “النخبة” الذين لا يحسنون سوى استخدام الهواتف الذكيّة للتصوير؟ هل سيكون عندئذ مُـمَثِّلاً للمجتمع الــمحافظ، أم يكون مـمثِّلاً للـمجتمع الآخر؟ ألا تتجلّى هنا ثقافة “تخطي راسي وتفوت” في أبشع صورها؟!..

الحادثة الثانيّة: في العام الـماضي، لاحظنا في كثير من قوائم الانتخابات التّشريعيّة والـمحليَّة، مُترشِّحات وَضَعْنَ صورَهنّ مُغَطّاةَ الوجه، وبعضُهنّ تَـرَكْنَ مكان الصورة فارغا، والأكثر سُخفاً أنّ بعضَهنّ وَضَعَتْ صُوَراً لممثلي الأفلام الكرتونيّة(كوميك)، ولـم تكن الظاهرةُ معزولةً في مكان واحد، أو عند حزب من الأحزاب الـمحافظة فقط، أو في بعض الـمناطق من الوطن فقط، بل كانت ظاهرةً منتشرة حتى عند الأحزاب الـمعروفة بالتّقدّميّة، وفي ولايات عديدة من جنوب الوطن إلى شماله..عندما اتَّصل بعضُ الصحفيين بـمسؤولين كانت أحزابـُهم على علاقة بـهذه الظاهرة، برّروها بالـمحافظة والتقاليد والأعراف!..

وهنا يُمكِنُ أن نتساءل: أيّ الأعراف، وأيّ التقاليد تـَحْكُمُ المجتمعَ الجزائريَّ أكثر؟ هل هي الأعراف والأخلاق، التي دفعتْ الشبابَ “النخبة” إلى تصوير فتاةٍ منهارةٍ عصبيّاً وهي عاريّة، داخل الـحرم الجامعي؟ رغم أنـّها حالةٌ إنسانيّةٌ تستحقُّ السِّترَ والتعاطُفَ معها، فهي يـُمْكن أن تـَحدُثَ لأيِّ واحدٍ منّا.. أم هي الأعرافُ والتقاليدُالتي دفعتْ الـمُترشِّحات إلى تغْطِيَةِ وُجُوهِهنَّ؟ وهنّ اللواتي سيُمثِّلْن الأمَّةَ، وسيُواجِهْن وسائلَ الإعلام الـمرئيّة، وقد ترشّحن بإرادتهنّ، وهنّ في كامل قُواهُنّ العقليّةِ، وقد صرّحتْ بعضُهنّ لوسائل الإعلام، بأنّها ستكشفُ عن وجهها إذا نجحتْ!..في أيٍّ من الحادثتين، كان على “التقاليد”أن تتحكّمَ أكثر؟ ألا يـُمكنُ القول: أنّنا نتظاهرُ بالـمحافظة في الوقت الذي يجب أن نكون فيه منفتحين، ونكون منفلتين من كلِّ القِيَم، في السياقات التي يجب أن نكون فيها محافظين وملتزمين؟!..

الأكيد أنّ الـمجتمعَ وسوءَ التربيّةِ والأعلافَ الثقافيّةَ السلبيّةَ، كلُّ ذلك، تَسبَّبَ في انقلاب الـموازين.. فالـمجتمع الذي يُصوِّر فتاةً منهارةً عصبيّاً وهي عاريّةٌ، ويُروِّجُ لصُوَرِها، لا يـحتاج إلى تعليقٍ على أخلاقه.. وكذلك الـمجتمعُ الذي يـمنَعُ الـمرأةَ الـمُتَصدِّرةَ للشّأنِ السيّاسي من نشر صورها -بحجة المحافظة_ عن طريق الشَّحْنِ العاطفيِّ السّلبيِّ والاعتداءِ اللفظيّ وترويجِ التّصوّرات المسيئة للمرأة، هو مجتمع مليءٌ بالعُقَدِ والأعطابِ النفسيّةِ والاجتماعيّةِ، ولكنّه يـُحاولُ التّسامي عنها عن طريق التّظاهر بحماية التقاليد والـمحافظة..إنّ أزمتَنا هي أزمةٌ ثقافيّةٌ بالأساس، على مستوى الوعْي والقِيَم، ومِنْ هناك تنتقل إلى السُّلوك والـمواقف، وتنعكس سلباً على التّنـميّة في جميع الـميادين.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق