أراء

التّـفكير بالشّعر

للثّقافة الـمهيمنة دور كبير في توجيه طبيعة التفكير عند الشعوب، وقد توافق كثير من النقاد الثقافيين وعلى رأسهم عبد الله الغذامي، على أنّ الشّعر هو الثقافة الأكثر هيمنةً عندنا.. ولأنّ الشّعر يـحتوي على ثلاثة أنواع من القِيَم: قِـيَم بنائيّة شكليّة (أساليب، أوزان، تقنيّات..) وقيم فكريّة (إيديولوجيّات، مضامين، أفكار، رؤى..) وقيم شعوريّة (عواطف، مشاعر، أحاسيس..) فإنّه يبدو جليّا أنّ النّوع الأخير من القِـيَم هو الأكثر حضورا في الشّعر العربي، ولذلك كان الفردُ العربي أكثرَ عاطفيّةً وانفعالا، لطغيان الشّعر على حياة النّاس، ما جعلهم لا يفكرون  إلا به، ولذلك اكتسب الشِّعرُ سُلطةً، جعَلتْهُ في الـمرتبة الثانيّة بعد النص القرآني، وأَفــْــتــَـوْا بأنّه ديوان العرب الذي لا ديوان لـهم سواه، فلا فكر ولا فلسفة ولا نثر معه!.. ولم يكونوا يعرفون أنـهم سَيُساهـمون بذلك فـــي اختلال الوعي والسُّلوك العَرَبِيَيْن، من خلال شحنهـما بكثيرٍ من الـجُرعات العاطفيّة والانفعاليّة، التي يـُحْسِنُ الشِّعرُ التعبيرَ عنها وحَقْنَها في اللاوعي الـجمعي بطريقة ناعـمة، ويساهـمون فـي تغييب كثيرٍ من جوانب العقلانية والتفكير الـمنطقي، بفعل تغليب الشّعر على النثر عبر العصور، لأنّه يـمـثّلُ العاطفةَ والخيالَ والانفعالَ والارتـجالَ والشفويّةَ غالباً، بينما يـُمثِّلُ النثرُ العقلَ والواقعيّةَ والفكرَ و الوعيَ والتخطيطَ والتدوين.. ولذلك أصبحتَ تجدُ أحدَهم يتّخذ قرارا خاطئا، ثـمّ يُصِرُّ على الالتزام به إلى آخر الـمطاف، ويستدلّ على عنادِه الـمَرَضي بقول أبي فراس مثلا: “ونحن أناسٌ لا توسّطَ عندنا.. لنا الصدرُ دون العالـمين أو القبرُ!..” ويظلُّ يركبُ رأسَهُ، فلا مـجال للمراجعة عنده، إلى أن يدخل في الحائط!.. ومنهم من يتمثّل بقول الـمتنبي: “ومِنْ نَكَدِ الدُّنيا على الحر أن يرى..  عدوّاً له مَا مِنْ صداقَـتِهِ بُدُّ!..” ثم يُبَـرِّرُ لنفسه أن يعتبرَ النّاسَ كلَّهم أعداءه، ويـَخُوضَ معاركَ دونكيشوتيّةً ضد العالـَم، بـمبرّر بيت الـمتنبّي، أو غيره، مـمّن ساهموا في  تغليب جوانبِ الانفعال والعاطفيّة والـمبالغة على العقلانيّة في حياتنا، وقد عـمَّقَ ذلك، أنّك لا تـَجِدُ شيئاً ذا بالٍ من قصائد التّأمّل أو العـمق والحكمة، أمام الكمِّ الهائل من قصائد الـمدح والفخر والهجاء، أو كما يجملها علي الوردي في الاستجداء، وبطبيعة الحال فإنّك لا تنتظر مـمّن يمدح أو يفخر أو يهجو، أن يكون عقلانيّا أو يتّصف بالـموضوعيّة والصّدق، ضف إلى ذلك أنّ الشّعرَ العربيَّ نضجَ في بيئة بدويّة بسيطة، ليس فيها فلسفة ولا فكر عميق، ولذلك توارَثْنا الشّعرَ الانفعاليَّ، وظلّ معيارُه الأشدّ صرامةً، هو موافقتُه لسُنَّةِ الأوّلين، ووفاؤه لطبقات الفحول، الذين نبغوا في فنّ التلاعب بالـمشاعر، وعَدَمُ خروجِه على عمودِ الشّعر الذي سنّه الأجداد، حتى قال بعضُهم: “إنَّ الخروجَ على ديوان الوالي، أَهْوَنُ من الخروج على ديوان العرب!..״ وإذا كان الـخروج على ديوان الوالي، على امتداد التاريخ العربي، معروفةً عواقبُه.. فاسألِ اللهَ السّتْرَ والعافيةَ، إذا سوّلَتْ لك نفسُك الخروجَ على ديوان العرب الذي هو الشّعر، لأنّ الـمجتمعَ كُلَّه سيكونُ بعاطفته ضِدّك، وليس الوالي فقط.. وبالطبع قد يكون الـمصيرُ نفسُه في انتظار من يـُحاوِلُ أن يـخرُجَ على سُنَّةِ التفكير بالعاطفةِ الشّعريَّةِ إلى آفاق الـعقلانيّة واستخدام الـمنطق..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق