أراء

هناك ما هو أخطر من التسرّب المدرسي

اطّلعتُ على دراسة قام بها مجلس أساتذة التّعليم الثانوي خلال هذا الفصل الدراسي، كشَفَتْ عن نصف مليون تلميذ قد حصلوا على إنذار أو توبيخ في نتائجهم الدراسيّة، وتقول الدراسة إنّ النتائج الأضعف كانت في مادَّتـَيْ الرياضيّات والفرنسيّة، وإذا غضضنا الطّرف على دلالةِ الضعف في الريّاضيّات الذي يورِّثُ، بلا شكّ، أَعْطَاباً بليغةً في الذكاء والقدرة على الفهم والتحليل وحسن التقدير ودلالةِ الضعف في اللغات الأجنبيّة الذي يورِّثُ عجزا في القدرة على الانفتاح وسعة الأفق ومعرفة العالم..فإنّ من الطبيعي أن عددا كبيرا من هؤلاء سوف يتاح له إكمال الدراسة، حتى لا يتمّ تسريب عدد كبير من الطلاب إلى الشارع، وتكون النتيجة أن يتدرّج طلّابٌ ضعيفو المستوى إلى مستويات أعلى في التّعليم، وقد يحصل بعضهم على البكالوريا بضربة حظ، أو بشكل آخر، لينتقل إلى الجامعة، ويتخرّج منها بشكل أو بآخر، ليصبح حاملا لشهادة جامعيّة، بينما هو في الحقيقة لا يمتلك تأهيلا علميّا مكافئا لمستواه الدراسي، وبلا شك فإن هؤلاء الضعفاء في الرياضيات وفي اللغات الأجنبيّة بصفة خاصّة، وفي بقيّة المواد بصفة عامّة سيكونون بالضرورة متذبذبي الهوية والفكر، لأنـّهم بدون زاد فكري ومعرفـي، كما أنّهم سيتصدّرون لأعمال الإدارة والتسيير والتعليم، بكثير من العقد النّفسية للتّغطية على أعطابهم الـمعرفيّة الكثيرة.

إنّ الأخطر من التّسرب المدرسي هو تخريج مواطنين من المدرسة أو الجامعة ضعيفي المستوى، أشباه أمّيين، يحسبون أنفسهم متعلّمين بينما هم ليسوا كذلك، لا يصلحون لا للأشغال اليدويّة والمهن العامّة، التي تتطلّب مهارةً وممارسةً وتدريباً منذ الصغر، ولا للمناصب التي تتطلّبُ مستوى دراسيا جيدا، وتأهيلا علميّا راقيّا، لقد أصبحتْ المدارس تـُخرِّج كثيرا من الطلاب الذين يتوهّمون أنـّهم متعلّمون، بينما هم في الحقيقة يحملون شهادات مدرسيّة خاوية من المضامين والـمستوى، ولذلك تجدهم لا يتواضعون، ويخطئون في تقدير أنفسهم، فيأنفون من العمل في مجالات الأعمال التي تتطلّب جهودا عضليّة كالبناء، والفلاحة، والنّسيج، وتصليح السيارات، وتصليح الأحذيّة، والعمل في المقاهي والـمطاعم، وتنظيف الشوارع وغيرها، ويتطلّعون إلى الأعمال الـمكتبيّة والإداريّة والتسيير والتدريس، وغيرها من الأعمال، التي يرَوْنـَها أسهلَ وأرقى اجتماعيّا رغم أنها تتطلّبُ مستوى علميّا لا يمتلكونه، والنتيجة أن نجد اليوم قطاعاتٍ بأكملها تتطلب عمالةً بسيطة، مهجورةً تماما، وهو الأمر الذي ينتج عنه خلل اجتماعي واقتصاديّ وسيّاسي كبير، لأنّ عدم توفّر المهن اليدويّة هو الذي يؤدّي إلى غلاء كثير من المنتوجات، وبالتالي يسهم في غلاء المعيشة واضطراب الأحوال.. وهو حال واقعنا اليوم، حيث يمكنك أن تجد طبيبا متخصّصا بسهولة، بينما يلزمك كثير من الجهود والمعارف حتى تجد بنّاءً أو سبّاكاً!..بِنَاءً على ما سبق، وبِغَضِّ النظر على أسباب ضعف النتائج المدرسيّة التي قد تعود إلى كثرة الإضرابات أو إلى ضعف البرامج والتأطير أو إلى أسباب أخرى، فإنّ حالَ الـمدرسة التي تَـتَسَاهَلُ في تفريخ الـمتخرِّجين منها بشهادات لا يُقابلها مستوى حقيقي، أخطر من حال الذي يتَسَاهَلُ في تزوير العملة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق