أراءمساهمات

الماضي في الحاضر والحاضر في الماضي

يعود الجدل الفكري و الإيديولوجي في الآونة الأخيرة حول زيارة الرئيس التركي السيد طيب أردوغان إلى الجزائر سبقه قبل ذلك سجال سياسي و تاريخي حول زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، هذا الجدل يكشف طبوغرافية النخبوية ،تياراتها ،أفكارها ، و ما هي أسباب و تداعيات النقاش الداخلي بينها وما هي عوامل الحراك و التفاعل الإيديولوجي المحلي ، واضح جدا أن التجاذبات الإيديولوجية تصنعها رؤى محددة تشترك فيها التيارات الإسلامية و العلمانية و هي مرتبطة بالفعل و ردة الفعل تجاه حدث ما ، و تتقاسم مختلف التيارات المتناقضة-المتباعدة في إعادة الطرح التاريخاني لمجمل تصوراتها و مصدر تفكيرها و آليات النقاش، و في غياب كتابة تاريخية أكاديمية خارج القراءات السياسية و المصلحاتية يبقى السجل التوظيف التاريخي في الخصومات الإيديولوجية أحد النقاشات الهامة المتصادمة على الساحة، بيد أن المثقف الجزائري لم يحسم بعد صراعاته مع التاريخ و لم يتخلص نهائيا من الصورة النمطية حول الكثير من المفاهيم المؤدلجة و المشوهة و الرسمية حول التاريخ ، فالماضي لا يزال كصورة حية تحدث صراعا داخليا و توترا نفسيا ينتج قراءات و استنتاجات آنية وليس الماضي كلحظة تاريخية صنعتها ظروف و معطيات زمانية و مكانية تقرأ وفق سياقاتها .

إن التاريخ سواء الإسلاميين ـو العلمانيين هو الحاضر بتاريخ الماضي ، كليهما لم يستطيعا تجاوز التاريخ الماضي من أجل الحاضر و المستقبل فكل رؤية للمستقبل تبقى حبيسة هذا الماضي الذي يتعامل معه كلوحة فنية ترسم المعاناة أو الجماليات فيتم الارتباط به شعوريا أما بالكراهية و الحقد أو الإعجاب و التعظيم و التمجيد و تبنى العلاقات المستقبلية على العلاقات القديمة بنفس الأشكال الصراعاتية أو الترابطية ، وهكذا تصبح زيارة أردوغان نقاش ذات أبعاد تاريخية حول الوجود التركي و العثماني في الجزائر ، فريق يعتبره احتلال و فريق ترى فيه مخلص من التواجد المسيحي الغربي و وفق مقاربات إيديولوجية . و عوض أن يأخذ النقاش العلاقات التركية – الجزائرية على صعيد دعم الاقتصاد الوطني و الاستفادة من التجربة الديمقراطية و التنموية و رسم العلاقات الإستراتيجية حول المسائل الإقليمية و الضغوط الخارجية يعاد الجدل بقوة على أداء الأردوغاني في سوريا و موقفه ضد الأكراد و سجنه لمئات من الصحفيين في تركيا و بمعايير و كأننا نعيش في بريطانيا أو الولايات المتحدة بل امتد النقاش حتى حول مذابح الأرمن .

في الجانب الأخر نفس سياق الجدلي عرفته زيارة الرئيس الفرنسي السيد ماكرون عبر التدوينات و الهاشتاغات مثل “ما ننساش” في إشارة إلى عدم نسيان الاستعمار الفرنسي و مجازره و عودة الحديث عن المطالبة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية و تناولت بعض المواقع إلكترونية حرب فرنسا في مالي و تدخلها في سوريا و تصاعد الإسلاموفبيا في فرنسا و احتكار الفرنسي لبعض الأنشطة الاقتصادية الإستراتيجية رغما أن الرجل لا ينتمي لا سياسيا و لا فكريا لمعسكر فرنسا الجزائرية بل تختلف مقارباته حول الماضي كليا .و في مستوى ثالث ايضا يقتحم الجدل الديني- التاريخي مجال العلاقات الجزائرية مع الأخر ويستحضر الماضي بقوة سواء تعلق الأمر بالمحور الجزائري – السعودي أو الجزائر-طهران و تعاد الإحداث التاريخية إلى حلبة الصراع حول الخلافة من أحق بها علي بن طالب أو معاوية بن أبي سفيان و التاريخ المالكي السني وارتباطنا بالدولة الفاطمية الشيعية و تمتلئ الصفحات الجرائد و البلاطوهات التلفزيونية و الكل يستعرض حججه و عضلاته الفقهية و العقائدية .

هذا المشهد المشحون و المتوتر أيديولوجيا يعبر عن عدم تأسيس ثقافة الاختلاف بين النخب منذ نشأة الكيان الوطني كما هو وليد ظروف التاريخ السياسي الحديث الذي أسس على الأحادية و الشعبوية و التعصب و غياب الفضاءات المواطناتية الحرة و عدم الإقرار بالمتعدد و المتنوع و غياب التعددية السياسية و الفكرية و الاثنية و العرقية كل هذا أنتج ضمير جماعي موحد ، أفقي ، مستقيم في شكله الثقافي و الفكري يحاول ذوبان المختلف داخل إطاره و قوالبه المربعة المستطيلة المنغلقة و يعتبر الآخر دخيلا و عميلا و عدوا يشكل مصدر عدم الانسجام المجتمعي ولم تستطع النخب الثقافية و الفكرية تأسيس ثقافة الحوار لارتباط تلك النخب بالسلطة السياسية الشمولية .
في الأخير إن الرهانات الحالية تتجاوز كل الأسس التقليدية

التاريخية التي تشكلت عبرها الدولة الوطنية و صناعة الهوياتية وفق رؤية مشوهة و شمولية : الدين الواحد و الحزب الواحد و الجنس الأوحد و بالصورة التي تلغي كل الأبعاد التاريخية التي تركت معالمها الفيزيولوجية و اللغوية و العمرانية، ثم إن الوعي بالتنوع والاتساع التاريخي لابد من أن ياخد أشكال تؤسس لثقافة الاختلاف و المتعدد ، تسمح للفرد الجزائري بالانضمام إلى القيم العالمية الإنسانية و الانفتاح أكثر على الآخر بدل الانكماش و الانطواء على الذات وفق مقاربات خاطئة تنتج العصبيات و لا تسامح إن مفهوم السلم المدني اليوم هي قدرة الدولة و المجتمع في صياغة الإطار المشترك الذي يجمع الاختلافات الدينية و العرقية و الجنسانية و ليس نموذج الأحادي.

بقلم:عمر لشموت

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق