أراء

أعطاب الحداثة في الجزائر

لماذا لم يتعدى الفكر الحداثي و الطرح العلماني أعتاب المدن الكبرى الحضرية و بقي محصور التبني لدى بعض الفئات المجتمعية من  النخبة المتعلمة وفي رقعة جغرافية محددة؟

ولماذا شكل الفكر الحداثي رفض ومقاومة من طرف بعض  المكونات المجتمعية المحافظة وارتبط مفهوم العصرنة و التحديث بالاستعمار الفرنسي و التغريب والغزو الثقافي؟

وما هي الصورة في المخيال الشعبي لمفهوم اللائكيه و العلمانية وفق التكوينات التاريخية و انتربولوجيا و حتى السياسية؟

هذه جملة من الأسئلة المطروحة على ساحة النقاش في الجزائر، نحاول تشخيص الواقع في فهم  هذه الاشكاليات وفق سياقات تاريخية و سياسية.

وبغية استقراء الحاضر، علينا الوقوف على بعض المحطات التاريخية،  بدءا بالوجود الفرنسي خلال الفترة الاحتلالية وعبر انتشار المدرسة الفرنسية  وسط الانديجان.

في تلك المرحلة، تشكلت نخبة سياسية وطنية  مستنيرة و متعلمة  تحمل الثقافة الفرنسية، فقد كان من حظ العائلات البرجوازية المتوسطة و الصغيرة تعليم الأبناء في تلك المدارس.

كما ان دخول التعليم الفرنسي  المداشر و القرى اعطى فرص التعليم الاوربي للكثير من الابناء تلك المناطق المحرومة برغم من تحفظ ومقاطعة بعض العائلات الجزائرية تخوفا و ارتباكا من التنصير بينما كانت المدرسة الفرنسية علمانية .

هذ التعليم أنتج نخبة متعلمة من محامين و أطباء و صحافيين و إداريين، على غرار  فرحات عباس، الذي قال  في كتاب الشاب الجزائري إن فرصة التعليم كان فرصة الارتقاء الاجتماعي لنا.

الشيء نفسه، ينسحب على الكاتب و الروائي مولود فرعون الذي يعد من الفئة المثقفة المستنيرة من ابناء القرى الريفية  حظي بالتعليم في المدرسة الفرنسية تبنى الفكر الحداثي وفق إطاره الزمني، مثله مثل مالك حداد و مولود معمري و كاتب ياسين

هؤلاء، شكلت المدرسة الفرنسية لديهم محطة تنويرية انعكست على  مسيراتهم  النضالية و  الشخصية ، مما اكسبهم  الشرعية الوطنية و الثورية في كفاحهم ضد الكيان الكيولونالي .

لكن  الصراع الايديولوجي مع التيار الاصلاحي  الذي عمل على ربط  التنوير و الحداثة على أنه صناعة استعمارية مرتبطة بالولاء للمستعمر عبر التوافق الأيديولوجي و اللغوي،أضعف هذا الطرف سياسيا أمام الجماهير تحت مسميات حزب فرنسا.

بعدها، باشرت الدولة الاستقلال و الدولة الوطنية  على تحديث المجتمع وفق تصورات معينة تقضي بخلق مجتمع صناعي كمرحلة ضرورية في عصرنة المجتمع.

غير ان هذا المجتمع لم  يستوعب المكننة او التقدم التقني – العلمي كنمط معيشي يحدث التغييرات على مستوى السلوكيات و الذهنيات ما أحدث تعارضا مع نمط التقليدي و الريفي كخصوصيات اجتماعية غير مؤهلة على تقبل تلك المتغيرات.

و كان هذا عامل ثاني  للتفكيك بنيوي للفرد الجزائري، بعد التفكيك الكولونالي لنسق المجتمعي القائم على الزوايا و العشيرة  و القبلية في غياب نمط التحديثي للدولة.

الفشل الاخر الذي رسمته الدولة ساهم في إفشال المشروع التحديثي هو غياب المدينة كفضاء عمراني – تعايشي يستقطب المكونات المجتمعية في مساحات  الحرية و الابداع  الفني و الثقافي و التعايش المتنوع داخل الكيان المدينة  .

فصورة  المدينة كانت مغيبة بل رسمت وفق تصور فوضوي اركيكي همجي كمدن الاسمنتية دون عمق روحي   لم  تعطي فضاء التواصل و اللقاءات الانسانية   .

ويبدو ان المدن الحجرية التي شيدتها الدولة الوطنية كان عبارة عن محتشدات تجمع و تسكن فيه الفئات الاجتماعية  موحدة طبقيا أفقيا

على الصعيد السياسي و النخبوي، مَس الافلاس النضالي الذي تبنته الطبقة السياسية والعقم المعرفي لدى النخبة المتعلمة، عمل على فشل في استقطاب المجتمع لتبني الحداثة و العصرنة.

ضف الى ذلك، كان محتوى الخطاب في الغالب  يحدث صدام مع الشعور الديني و الهوياتي،فأغلب ما يسمى بالطليعة ذات التكوين اليساري الماركسي لم تنجح في تمرير المشروع وفق رؤية برغماتية.

بل كان أقرب إلى الخطاب العقائدي و الذي يختزل التنوير في تفكيك الدين و الاطر التقليدية،بحسب التصور الماركسي القائل الدين أفيون الشعوب .

في اعتقادي، ان عدم قدرة هؤلاء على فهم آليات حركة المجتمع خارج الاطار الماركسي الجدلي الطبقي أعطت حلول جاهزة بعيدة عن النسق المجتمعي.

وكخلاصة، يمتلك  المجتمع  ادوات حركايته وتفاعلاته و التغيير ذاتي، مما ينبغي على النخبة إعادة صياغة المفاهيم وفق تلك الديناميكية المجتمعية وليس على أساس التصورات الجاهزة أو الوصائية أو مركزي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق