أراء

ما الذي يحدث عندما تهتـزّ صورةُ الأستاذ؟

 أذكر عندما كنت صغيرا ، أنّ معلِّمَنا سألَنا على الـمهنة التي نفضِّل أن نـمتهنها في الـمستقبل، فكان اختيار الأغلبيّة منّا أن يكون “معلِّماً”!.. كان الـمعلِّم في تلك الـمرحلة مربِّــيًا ومُلْهِماً،وقدوةً مُثلى في العلم والسُّلوك، يصنعُ الـحياة الـحالـمة في تلاميذه،.. كان من الأعيان الذين يشار إليهم بالبنان،وكان مُهابا يَفرِضُ احترامَه على الجميع، لأنّه يـمتلك قوّةً رمزيّةً أهمَّ من قوّة الـمال والسُّلطة، إنـها قوّة الأفكار والعلم والقدوة..من أجل ذلك كان الأولياءُ يعتبرونه الـحُضْنَالأمثل،الذي يعهدون إليه مستقبل أبنائهم، فراحوا يُعظِّمون شأنَه ويرفعون قدرَهُ،فكانت النتيجة أن أصبح التّلاميذ يـحبون الـمعلّم ويـُجِلّونه، ومن وراء ذلك أحبّوا العلم الذي يُلقِّنُهم إياه.. أحبوا العلمَلأنهسِـرُّ الـمعلم الذي يـحبونه،ويتّخذونه نـموذجا وقدوة.. وبسبب هذه الأواصر الروحيّة بين التلاميذ والـمعلم، لـم يعد التلميذُ حينها مـُجرّدَ وعاء يُـمْلأُ بالـمعلومات، ولكن أصبح شُعلةً مُوقَدَةً تلتهم كلّ ما تصل إليه ألسنتُها الـملتهِبَةُ من نصوص مكتوبة.. فكان يقرأ الـجرائدَ اليوميّةَ والأسبوعيّةَ كلَّها، ويقرأ كل الـمجلّات الـمتاحة، ويقرأ الـمنفلوطي وجبران خليل جبران، والبشير الابراهيمي، وغيرَهم.. ويقرأ لكتّاب آخرين بالعربيّة وبالفرنسيّة.. لقد نفخ الـمعلِّمُفيه من روحه، فآمن بالعلم قوّةً جبارةً تصنع منه إنسانا مُـختلفا..

أما اليوم فقد أصبحنا نـمسي ونصبح على نقاشات في كل وسائل الإعلام، ترافق الاحتجاجات الـمتكرِّرةَ للأساتذة،قد تؤدّي إلى تشويه صورة الـمعلّم،والإضرار بكل الأواصر الروحيّة التي تربطه بالتلاميذ والـمجتمع، وتؤدّي إلى قلب موازين القِـيَم التي كانت تستند إلى شرف العلم وقيمة العلماء..لقد بدأ يتمّ ذلك من خلال التركيز على أنّ جلّ مطالب الأساتذة هي ذات طبيعة مادّية بـحته، ولذلك فإنـهم جشعون، ولا يهتـمون كثيرا لـمصلحة التلاميذ..كما يتم من خلال توسيع الـخلاف إلى دوائر تتعدّى الإدارةَ، إلى أولياء التلاميذ، ثم إلى شرائح أخرى من الـمــجتمع، لتأليب الرأي العام ضدّ الـأساتذة.. وهو منحى خطير لا أحد يستفيد من ورائه..

جميل أن تتحوّل الـمدرسةُ الجزائريّة إلى قضيّة رأي عام، تنال حظَّها من النِّقاش الواسع،الذي تشاركُ فيه جميعُ شرائح المجتمع، فالـمدرسة هي قضيّة الجميع، التي يجب أن تكون على رأس الأولويات القصوى..وكلّما غَضَضْنَا الطرفَ على سوء أوضاع التعليم، ومارسنا سياسة الترقيعوالهروب إلى الأمام، ازداد التردّي في كل القطاعات، إلى أن يصل إلى درجة التعفّن العام ..

غير أنّه يـجب التنبيه إلى أن النّقاش يـجب أن لاينصبّ على الأستاذ فقط..بل يجب أن يشمل كلّ مكوّنات الـمنظومة التّعليميّة التيتشمل: التلاميذ، وهيئة التدريس، والبرامج، والوسائل، والـحوافز، والإدارة، والهياكل، والبيئة الاجتماعية والـمحيط الاقتصادي، و.. مع التركيز على الجودة العالية،وعلى أنّ التّلاميذ هم الثابت الأساسي الذي تشتغل من أجله كل الكوادر، وتُسخَّرُ لأجله كلّ الإمكانيّات والبرامج..يجب على الإدارة أن تدرك انّ الأستاذ هو العنصر الأساس في التنـميّة الشاملة للأمّة، وهو إذا اشتكى، اشتكى معه الـمجتمع ُكلُّه بالسّهر والحُمّى..كما على الأساتذة أن يرافعوا -إلىجانب مطالبهم الـمهنيّة-لصالح مستوى ومـحتوى أفضل من التّعليم، حتى لا يفقدوا اعتبارهم الـرّمزي الذي تـمثّله رسالة التّعليم..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق